المسارات الكتابات مساحات الحوار والعمل عني تواصل
استراتيجيا الدولة · فيل في الغرفة

معضلة الحفرة والإسفلت

عن الدولة التي تهرول في مكانها: قراءة في عطب طقوسية التخطيط، وكيف تُنتج الأجهزة الحكومية أعمالًا صحيحة في ذاتها، متعارضة في مجموعها.

وقت القراءة · 6 دقائق عدد نشرة «فيل في الغرفة»

أولًا · مدخل طريق يُرصف ثم يُحفر بعد ستة أسابيع

في أحد الأرياف، انتظر الناس سنوات طويلة حتى يصل الإسفلت إلى طرقاتهم. حين بدأت أعمال التعبيد، شعروا أن الدولة فعلت أخيرًا شيئًا يلامس حياتهم اليومية. خفت الأتربة، وتحسنت حركة السيارات، وتراجعت كلفة خفية كانت تدفعها الأسر يوميًا في صيانة مركباتها وفي أعصابها.

بعد أسابيع من انتهاء التعبيد، استيقظ الناس على أصوات الحفارات وهي تكسر الإسفلت. هذه المرة لتمديد شبكة مياه. فُتح الإسفلت من جديد، وعادت الأتربة، واستمر الوضع أشهرًا حتى اكتمال الأعمال. ثم جاءت جهة ثالثة بعد الردم لتنفيذ أعمال مختلفة، فعاد المشهد، ولم يعد الشارع كما كان.

في إحدى الحالات التي اطلعت عليها، كانت الفترة بين رصف الطريق وإعادة حفره أقل من ستة أسابيع. الجهة التي رصفت لم تكن تعلم أن جهة أخرى ستحفر. والأخرى التي حفرت لم تكن تعلم أن الطريق رُصف للتو. كل جهة نفذت ما يخصها وفق خطتها المعتمدة.

كل جهة تُعد خطتها وكأنها تعمل وحدها في هذا البلد. وقد صار هذا النمط مألوفًا إلى درجة أن كثيرين يتعاملون معه بوصفه أمرًا إداريًا معتادًا.

في عملي مع الحكومات، أرى نسخةً أعقد من المشهد نفسه.

داخل الأجهزة الحكومية، تسير عملية إعداد الخطط في مسار معروف: يُطلب من الإدارات خططها للأعوام القادمة، فتكتب كل إدارة ما يناسب نطاقها ومشاريعها ومؤشراتها. ثم تُجمع هذه المدخلات في وثيقة تحمل عنوان الخطة الاستراتيجية للوزارة. وفي مستوى أعلى، تُرفع خطط الوزارات إلى جهة مركزية، فتُجمع بدورها في وثيقة أوسع تُسمى الخطة الوطنية أو الخطة الخمسية.

المشكلة أن كل جهة تُنجز ما عليها من حيث الصياغة، ثم تنتقل الوثيقة إلى غلافها النهائي، وتبقى الأسئلة الحاكمة معلقة. وتغيب عن هذه الخطط عمليةُ تحكيمٍ حقيقية تحدد ما يُقدَم وما يُؤجَل، وما يتعارض مع غيره وما يتوقف عليه. ثم تتعارف الجهات إلى بعضها في الميدان للمرة الأولى، بعد أن يكون التعارض قد وقع.

ثانيًا · تسمية الفيل طقوسية التخطيط

الفيل في هذه الغرفة هو طقوسية التخطيط.

الخلاصة المحورية

طقوسية التخطيط نمط مؤسسي يُمارَس فيه التخطيط الاستراتيجي بوصفه ممارسةً شكلية دورية تؤدي وظائف رمزية، كاكتساب الشرعية والامتثال للمتطلبات التنظيمية، دون أن تترتب عليها قرارات حاكمة أو إعادة ترتيب للأولويات أو تخصيص ملزم للموارد يُعيد تشكيل سلوك المنظومة التنفيذية.

في كثير من الحالات، يكون ما يُقدَم تحت عنوان الخطة الاستراتيجية مجرد تجميعٍ لأنشطة ومشروعات موزَعة على مدى زمني أطول، دون تشخيص حقيقي للتحديات، ودون اختيار للأولويات يُلزم الجهات بترابط تنفيذي حقيقي. فتعمل كل جهة داخل خطتها وكأنها لا تشارك غيرها الرؤية نفسها.

ثالثًا · منطق العطب حين يغيب العقل المركزي

يبدأ العطب من غياب أولوية حاكمة تُترجَم إلى قرارات ملزمة للجميع. في هذا الفراغ، تتحرك كل وزارة وفق منطقها الداخلي، وتبني خطتها بما يحفظ ميزانيتها ونطاق عملها. ويتحول التخطيط حينها من وظيفة صناعة الاتجاه إلى مجرد جمعٍ للمدخلات وتنسيقها.

هنا تظهر المشكلة الأساسية: أهداف كثيرة، ومبادرات كثيرة، وأنشطة كثيرة، بينما يظل السؤال الحاسم مهملًا:

  • ما الذي ينبغي أن يُنجَز أولًا؟
  • ما الذي يجب إيقافه؟
  • ما الذي يتوقف بدؤه على اكتمال غيره؟

درس روملت من عام 1979

هذا النمط ليس حكرًا على سياقنا المحلي. فقد حلل ريتشارد روملت، أحد أبرز منظري الاستراتيجيا، حالةً مشابهة حين درس الوثيقة التي أصدرتها شركة International Harvester في يوليو 1979 تحت عنوان «Corporate Strategic Plan». وجدها روملت تجميعًا لخمس خطط منفصلة، أعدها كلُ قسم تشغيلي على حدة: الشاحنات، والتوربينات الغازية، والمكونات، والمعدات الزراعية، والمعدات الصناعية. الأجزاء جاءت تفصيلية ومعقولة في ذاتها، غير أن المجموع لم يُشخص التحدي الجوهري للشركة، ولم يحسم ترتيب الأولويات بينها. أسماها روملت «استراتيجية رديئة»، لأن خمس خطط صحيحة في مستوى القسم لا تصنع استراتيجيةً واحدة على مستوى المؤسسة.

معضلة الحفرة والإسفلت هي الصورة المبسطة لهذا العطب. تكشف أن الخلل يقع في غياب التكامل الذي كان ينبغي أن يربط هذه الأعمال منذ البداية.

كثير من الجهات التي عملتُ معها تضم فرقًا كفوءةً تُنتج أعمالًا جيدة داخل حدود نطاقها. الخلل يقع بين الجهات، في المنطقة التي يُفترض أن يحكمها التخطيط. وحين يغيب العقل المركزي، تصبح الأعمال صحيحةً في ذاتها، متعارضةً في مجموعها.

رابعًا · ما يجب الالتفات إليه إعادة وظيفة التخطيط إلى موضعها

أول ما يستحق الالتفات هو إعادة وظيفة التخطيط إلى موضعها. يحتاج التخطيط إلى إطار حاكم:

  1. يحدد الأولويات على مستوى الدولة أو الوزارة.
  2. يحولها إلى قرارات تشغيلية ملزمة تتجاوز حدودَ التوصيات الإرشادية.
  3. يضبط الاعتماد المتبادل بين الجهات.
  4. يمنع الانتقال إلى التنفيذ قبل معالجة الترتيب والتعارض.

ويعني هذا عمليًا أن تسأل كل جهة منذ البداية ثلاثة أسئلة: أين يقع عملي من المسار الكلي؟ ومَن يسبقني؟ ومَن يعتمد علي؟

اختبار بسيط

اختبار طقوسية التخطيط

خذ آخر خطة استراتيجية صدرت عن جهتك، وتتبع عشرة قرارات تنفيذية كبرى صدرت بعدها. كم منها يمكن ربطه مباشرة بالخطة؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة، فأنت أمام طقوسية تخطيط.

شارك هذا المقال