أيمن المشهداني
متخصص في استراتيجيا الدولة، ونظم الإنجاز الحكومي، وهندسة التغيير المجتمعي. أعمل ضمن أفق يربط الدولة بالأمة بالعمران.
السؤال الذي لم يُفارقني
منذ الصغر، كنتُ ألاحظ شيئًا غريبًا: الجهد موجود في بلادنا، والنوايا حسنة، لكن الأثر قليل. في المقابل، بلدان أخرى تتقدم بطاقة أقل مما لدينا. سؤال واحد ظل يلازمني: ماذا يفعلون وما الذي لا نفعله نحن؟
في مرحلتي الإعدادية والثانوية، كنتُ بين سوريا والكويت، وهناك بدأت تجربتي الميدانية: قيادة فرق ولجان ومبادرات شبابية ومجتمعية في كلا البلدين. لمستُ مبكرًا كيف تستهلك الأزمات طاقة الناس، وكيف تتحول المبادرات الحسنة إلى دوران في الفراغ.
ثم انتقلتُ إلى اليمن لدراسة الصيدلة في جامعة العلوم والتكنولوجيا بصنعاء، وتخرجتُ عام ٢٠٠٩. خلال سنوات الدراسة قدتُ فرقًا ولجانًا ومبادرات شبابية ومجتمعية. لكن السؤال لم يتركني. بعد التخرج، انتقلتُ للعمل في السودان، ثم بين سوريا وتركيا في سنوات الثورة والعمل الإنساني. في كل محطة قدتُ فرقًا ودربتُ جهات، ورأيتُ من قرب كيف تُنتج التدخلات حسنة النية نتائج عكسية. كل هذه السنوات كانت بحثًا متنقلًا بين تخصصات وميادين، لا أستقر على شيء: كل تخصص يُجيبني عن طرف ويترك الجوهر.
شيئًا فشيئًا تشكل عندي هذا التشخيص: المشكلة ليست في غياب الجهد. الجهد موجود. المشكلة أن الجهد يُصرف على غير موضعه، أو يُصرف بطريقة لا تُنتج فرقًا. لكنني حتى تلك اللحظة لم أكن أعرف الاسم الذي يصف ما أبحث عنه.
في تلك المحاضرة، بدأ شيء يتضح. وجدتُ طريقة للتفكير في الدولة مختلفة عما اعتدتُ عليه. الدولة عندي حتى تلك اللحظة كانت جهازًا تنفيذيًا: وزارات، قوانين، موظفين. الاستراتيجيا قدمتها لي كشيء آخر: كائن له قدرة وحدود ومصير. فهمتُ وقتها، بوضوح، ما كنتُ أبحث عنه طوال سنوات.
ثلاث موجات، كل واحدة وُلدت من قصور ما قبلها
بدأتُ بالاستراتيجيا. ثم رأيتُ ما لا تُجيب عنه. فانتقلتُ إلى التفكير النظمي. ثم رأيتُ ما لا يُجيب عنه أيضًا. فأضفتُ علم الإنجاز. كل موجة صححت فهمي، ولم تُلغِ ما قبلها.
الاستراتيجيا
تعمقتُ في التخطيط الاستراتيجي على مستوى الدولة والمنظمات. طبقتُه في سياقات كثيرة. ثم لاحظتُ شيئًا مُقلقًا: أغلب الخطط التي ساهمتُ في كتابتها، حتى المتقنة، لا تصل إلى التنفيذ.
التفكير النظمي وعلم التعقيد
دفعتني الفجوة بين الخطة والنتيجة إلى التفكير النظمي وعلم التعقيد وتحليل الشبكات. فهمتُ أن مشكلاتنا أعراض لبنى عميقة وليست حوادث منفصلة، وأن الحلول الحسنة النية تُفاقم المشكلة أحيانًا لأنها تتدخل في منظومة لم تفهمها.
نظم الإنجاز
ثم دخلتُ على علم الإنجاز (Deliverology). تأكد لي أن الاستراتيجيا بلا منظومة إنجاز تبقى نصًا على ورق. تصميم نظام الإنجاز فن قائم بذاته. وهو ما جربتُه مباشرةً حين أسستُ أول وحدة إنجاز في سياق انتقالي عربي.
لماذا لا تكفي الدولة وحدها
بعد خمسة عشر عامًا من العمل داخل منطق الدولة، بموجاته الثلاث، وصلتُ إلى قناعة لا رجوع عنها: الأمة لا تُبعث من مركزها السياسي وحده. الدولة ضرورية، لكنها لا تكفي.
هناك وظائف حيوية للمجتمع لا تُقيمها الدولة ولا ينبغي أن تُقيمها. وإذا انتظرنا الدولة لتفعل كل شيء، تعطل كل شيء. هنا تحتاج الأمة إلى حوامل مجتمعية تُقيم هذه الوظائف من داخلها، دون انتظار.
من هذه الاستدارة وُلد مشروع ميلاد: مسار لإحياء الوظائف الحيوية للأمة عبر شبكات مجتمعية تقوم على حَمَلة الفروض الكفائية، لا على الحشود ولا على السلطة المركزية.
ثلاث مساحات أعمل فيها اليوم
من هذه الرحلة، تبلور عندي أفق من ثلاث مساحات متكاملة. لكل واحدة منطقها، ومجتمعة تُشكل السؤال الذي أعيش فيه.
الأعمال التي تختبر الفكرة
الفكرة التي لا تُختبر في ميدانها تبقى ورقًا. عملتُ خمسة عشر عامًا في بيئات معقدة، وسبع دول: الكويت، اليمن، السودان، تركيا، سوريا، ليبيا، العراق. أربعة أعمال تُلخص طبيعة ما أفعله:
أول وحدة إنجاز استراتيجية في سياق انتقالي عربي
صممتُ وأسستُ وحدة الإنجاز بالكامل: من بناء المنهجية، إلى تصميم سلاسل الإنجاز التي تربط مدخلات التنفيذ بقرارات القيادة في مديريات التربية، إلى دورة التغذية الراجعة. شمل البرنامج أكثر من نصف مليون طفل في أربعمئة وعشرين مدرسة.
شبكة معرفية عابرة للحدود في استراتيجيا الدولة
أطلقتُ عبر استراتيجوس برامج استراتيجية وقيادية وصلت إلى أكثر من ٥٫٤٠٠ مشارك من ٤٣ دولة. وأشرفتُ أكاديميًا وإداريًا على برنامج التخطيط الاستراتيجي للدولة، الذي درب أكثر من ٣٫٠٠٠ مشارك من جهات حكومية ومؤسسية وأفراد. هذه الشبكة هي اليوم من أوسع نقاط التلاقي العربية للمتخصصين في استراتيجيا الدولة.
تحليل منظومي وبناء أدوات تدخل
قدتُ المسار التحليلي والمنهجي لبرامج تعزيز منظومة المجتمع المدني: تحليل النظم، بناء نظرية العمل، تطوير أدوات التدخل والإشراف، تصميم منهجية تحليل الشبكات الاجتماعية، وأدوات القياس على مستوى النتائج.
تشخيص مؤسسي ومقاييس قيادية لأكثر من عشرين جهة
صممتُ خططًا استراتيجية وتشغيلية، وأدوات تشخيص، ومقاييس قيادية ومؤسسية، لأكثر من عشرين جهة حكومية ومؤسسية في سياقات هشة. عملتُ مع وزارات في ليبيا، ومؤسسات سيادية في السودان، إلى جانب جهات في سوريا والعراق واليمن.
قيادة ميدانية قبل الدخول إلى نظم الإنجاز
قبل الاستشارة، كان الميدان. بدأت التجربة في المرحلة الثانوية، بين سوريا والكويت: قيادة فرق ولجان ومبادرات شبابية ومجتمعية. في اليمن، خلال سنوات دراسة الصيدلة، امتدت التجربة واتسعت. في السودان، قضيتُ سنتين ونصفًا دربتُ خلالها عشرات الجهات الحكومية والخاصة والأهلية، وآلاف طلاب الجامعات. في سوريا وتركيا، انخرطتُ في العمل الإنساني وقدتُ مبادرات، ودربتُ فرقًا تطوعية ومنظمات، وصغتُ نظريات تغيير واستراتيجيات لجهات متعددة، وقدتُ تحولات مؤسسية في منظمات مدنية سورية ومراكز أبحاث استراتيجية. من هذه السنوات تعلمتُ أن النية الحسنة ليست ضمانة، وأن التدخلات الخارجية كثيرًا ما تُنتج عكس ما تطلبه، وأن التدريب دون نظام إنجاز لا يُحرّك شيئًا. هنا وُلدت الأسئلة التي أكتب فيها اليوم.
على امتداد هذه السنوات، عملتُ في تحليلات ممتدة وأعمال بحثية لبرامج دولية، بما فيها تطوير أُطر كفايات مؤسسية وقيادية، وتحليل الاقتصاد السياسي، ودراسات قياس نتائج التعلم، ورسالة ماجستير في تطوير أداة لتقييم مقاييس القوة الوطنية للدول.
كيف ينتظم هذا العمل اليوم
ما سبق من موجات واستدارات، تبلور عمليًا في ثلاث مساحات أعمل فيها بالتوازي. كل واحدة لها وظيفة ومنهج، ومجتمعة تُغطي الأفق.
استراتيجوس · تصميم النظم وهندسة التغيير
الذراع التي أعمل من خلالها مع الحكومات والمنظمات. تحول التحليل الاستراتيجي إلى نظم تدخل وقدرة وإنجاز، وتُساعد الجهات على تحديد مفاصل التأثير، وتوجيه مواردها نحو الأثر الأهم. من هنا تمر أغلب التعاقدات والأعمال الميدانية.
onstrategos.com ←الدولة المكلَفة · معمار الدولة ووظيفتها العامة
مسار نظري وتشغيلي أبحث فيه سؤال الدولة من زاوية وظيفتها ومعمارها. أُطور من خلاله إطارًا يوجه القدرة العامة من منطق القطاعات إلى منطق المفاصل الحاكمة، ومن تراكم الخطط إلى صيانة المسار. الكتابات في هذا المسار تصدر تباعًا.
ميلاد · الوظائف الحيوية للأمة
مسار حضاري-تطبيقي جوهره أن الأمة تقوم بحملة فروضها الكفائية: النوى المجتمعية التي تُقيم الوظائف الحيوية للعمران. يتخذ شكل شبكة من المبادرات والحوامل، مرتبطة بأفق استخلافي يربط التوحيد بالعمران.
من الصيدلة إلى استراتيجيا الدولة
مسار غير خطي، لكنه أعطى كل مرحلة حصتها. الصيدلة علمتني التحليل الدقيق. الاستراتيجي القومي فتح عيني على الدولة كموضوع. العلوم السياسية أعطت العمل عمقه النظري.
منهجي يجمع التفكير النظمي، وعلم التعقيد، وتصميم السياسات، ونظم الإنجاز، وتحليل الفاعلين، ضمن إطار يراعي هشاشة البيئات الانتقالية. ويوظف التحليل الجيوسياسي والجيواستراتيجي، وتحليل الشبكات ومراكز التأثير، وتحليل الهشاشة والصدمات والسيناريوهات، ويربط ذلك كله بتصميم الأطر التشغيلية.
السياقات التي عملتُ فيها
عملتُ عبر سبع دول مع مؤسسات سيادية وحكومية، ومنظمات دولية كبرى، في أدوار متعددة: مستشارًا مباشرًا في بعض البرامج، وموظفًا أو مستشارًا لجهة منفذة في برامج أخرى، مع تواصل وثيق مع الجهات المانحة والشريكة في كلتا الحالتين. إلى جانب ذلك، حضرتُ في فضاء واسع من منظمات المجتمع المدني والمبادرات المحلية.
رافقتُ عددًا واسعًا من منظمات المجتمع المدني والمبادرات التطوعية والمؤسسات المحلية في المنطقة، في بناء نظمها وخططها وأدواتها. هذه الجهات الكثيرة، وإن تعذر استعراضها كلها هنا، كانت حاضنة لتجارب عملية غنية شكلت جزءًا مهمًا من هذا المسار.
إن وجدتَ في هذا المسار ما يتقاطع مع عملك
مكتبي مفتوح للعمل والحوار عبر ثلاث نوافذ: مشروع مع حكومة أو منظمة، تعاون على سؤال، أو حوار حول فكرة. تجدها جميعًا في الصفحة الرئيسية.
للتواصل المباشر: ayman@almeshhadani.com