أولًا · مدخل مشكلة الكوبرا في دلهي
عندما كانت بريطانيا تحتل الهند، واجهت مشكلة مزعجة في مدينة دلهي، حيث كانت أفاعي الكوبرا تتكاثر في الشوارع. ابتكر المسؤولون في ذلك الوقت حلًا بدا ذكيًا في بادئ الأمر: أعلنوا عن مكافأة نقدية عن كل أفعى يتم تقديمها إلى الجهات المعنية.
خلال فترة قصيرة انخفض عدد الأفاعي في الشوارع وبين البيوت بشكل ملحوظ. لكن على الرغم من اختفاء الأفاعي، لا زال الناس يُحضرون منها أعدادًا كبيرة. وقتها اكتشفت الحكومة الفخ الذي نصبته لنفسها. كان منطق الناس بسيطًا: إذا كانت الأفاعي تساوي نقودًا، فلماذا لا نربيها؟
نشأت مزارع سرية لتربية الكوبرا وقتلها وتسليمها للحكومة. وحين اكتشفت السلطة الفخ وأوقفت البرنامج فجأة، فما كان من المربين إلا أن فتحوا أقفاصهم، وخرجت آلاف الأفاعي إلى الشوارع دفعةً واحدة.
انتهى الحال في المدينة بأفاعٍ أكثر مما بدأت به. ودفعت الخزانة الثمن مرتين: مرةً حين اشترت الأفاعي، ومرةً حين عادت لتدفع ثمن إبادتها.
هذه الرواية يُشكَك في تاريخيتها من الأساس؛ لم يعثر الباحثون في الأرشيفات المعاصرة لها على ما يدعم وجود مزارع للكوبرا، وتحقيق أرشيفي حديث (2025) أرجعها إلى خبر صحافي من عام 1873 صيغ بلغة الافتراض، دون أي تأكيد معاصر. غير أن المنطق الذي تصفه موثَق في حالات أخرى، أبرزها مكافأة الجرذان في هانوي الفرنسية عام 1902، التي انتهت بالمآل ذاته. وهي ظاهرة تتكرر اليوم في معظم غرف القرار العربية، تحت مسميات مختلفة: حزمة إنعاش، خطة إصلاح عاجلة، استجابة طارئة، مسار تسريع.
كل قرار عاجل يحمل داخله نسخة مستقبلية من المشكلة.
ثانيًا · تسمية الفيل تأثير الكوبرا
الفيل في الغرفة هو ما يُعرف في أدبيات التفكير النظمي باسم تأثير الكوبرا، أو الإصلاحات التي تأتي بنتائج عكسية.
يُصمَم القرار لعلاج مشكلة معينة، فيخففها فعلًا في المدى القصير، ثم يُولِد، عبر تأخير زمني لا يراه صانع القرار، مشكلةً أكبر من تلك التي جاء ليعالجها.
النجاح الشكلي للأداة في مهمتها السطحية، هو نفسه ما يُنتج فشلها العميق على مستوى النظام.
ثالثًا · منطق العطب حلقتان سببيتان تعملان بإيقاعين
لكل تدخل عاجل حلقتان سببيتان تعملان في آنٍ واحد، بإيقاعين مختلفين:
حلقة التخفيف السريع
تستجيب لحظيًا لمطلب سياسي أو ضغط إعلامي، وتُنتج مؤشرات مرئية جاهزة للاستهلاك: أفاعٍ مُسلَمة، طلاب التحقوا، شحنات غذاء وُزِعت، خدمات أُطلِقت. حلقة وُلدت لإنتاج إشارات النجاح.
حين تلتقي الحلقتان أخيرًا، وهو التقاء حتمي، تكون الأولى قد استنفدت رأسمالها السياسي، وتكون الثانية قد أنتجت نسخةً من المشكلة أكثر مقاومةً من نسختها الأصلية.
ما يحدث حينها أن الحكومة تستدعي حزمة إنعاش جديدة. فتُعاد الدورة. وتحت ضغط كل دورة، يتحول التدخل العاجل إلى سياسةٍ دائمة.
مثالان من منطقتنا
المثال الأول: التعليم. حين تُقاس السياسة التعليمية بنسبة الالتحاق، تتكيف الإدارات بطريقةٍ واحدة: توسيع القبول، خفض معايير الاستيعاب، ضم طلاب إلى فصولٍ لا تتسع لهم. يرتفع الرقم، يُحتفى به في البيان الصحفي، وتدخل المنظومة مرحلة الأمية المُقنَعة: طلاب مسجلون رسميًا، أُميون وظيفيًا. المؤشر صُمم ليقيس الكم، فأنتج الجهاز كمًا.
المثال الثاني: المساعدات الغذائية. حين تضرب مجاعة منطقة ما، وتتدفق المعونات الخارجية عبر التوزيع المجاني، يُنقذ الحل الطارئ أرواحًا في الأسابيع الأولى. وهذا أمر مبرر ومفهوم.
لكن ما يحدث بعد ذلك موثق في عشرات الحالات، من إثيوبيا الثمانينات إلى هايتي إلى الصومال واليمن وسورية: يُغرق القمح المُهدى الأسواق المحلية، فتنهار أسعار المحصول الوطني. يتوقف المزارع عن الزراعة لأن بيع محصوله صار خاسرًا. تنتقل الأسر تدريجيًا من مواقع الإنتاج إلى طوابير الانتظار أمام نقاط التوزيع. يتغير سلوك جيل كامل: من إنسان فاعل إلى منتظر على أبواب المنظمات.
وحين تتراجع المعونات، وهي تتراجع دائمًا، يُفاجَأ البلد بأنه فقد القدرة الإنتاجية التي كانت قائمةً قبل الأزمة.
المجاعة الأولى صنعتها طبيعة أو حرب. المجاعة الثانية صنعها الحل.
من المستفيد الخفي من بقاء المشكلة؟
هذا السؤال قلما يُطرح في جلسات مراجعة البرامج والمشاريع. لكنه السؤال الذي يكشف الاقتصاد السياسي للعطب.
خلف كل حلقة تآكل، تتكون شبكة من الفاعلين تعيش على استمرار العطب: مقاولون، وسطاء، موظفون، وكالات، منظمات، وأحيانًا وزارات بأكملها، تقوم شرعية وجودها على إدارة المشكلة دون إنهائها. لأنه حين تُحل المشكلة جذريًا، تختفي شرعية وجود هذه الشبكة.
لذلك تُقاوم الشبكة من خلال آلاف القرارات الصغيرة التي تُبقي الحل العاجل حيًا، وتُؤجل الحل الجذري إلى موازنة العام القادم، ثم إلى الذي يليه.
الفيل الحقيقي هو الاقتصاد السياسي الذي بُنيت على ظهره المشكلة.
رابعًا · ما يجب الالتفات إليه شروط التدخل العاجل الثلاثة
الأزمة العاجلة تفرض إيقاعًا سريعًا، والبطء في لحظتها جريمة. هذه حقيقة لا نقاش فيها. لكن المشكلة أن يُسمح للحل السريع بالتحول إلى سياسة دائمة، بينما تتنامى في الظل شبكة تستفيد من ديمومته.
كل تدخل عاجل يحتاج إلى ثلاثة شروط تُقرن بقرار الإطلاق منذ يومه الأول:
- استراتيجية خروج مُعلَنة. ما العتبة الكمية أو الزمنية التي يتوقف عندها التدخل؟ إن لم تُحدد مسبقًا ومكتوبة في وثيقة الإطلاق، فلن تُحدد لاحقًا؛ لأن شبكة المصالح التي ينتجها التدخل ستُقاوم إنهاءه بكل ما تملك.
- تمويل موازٍ للحل الجذري. بنسبة مخصصة وواضحة من الموازنة، تُحسم مع قرار الإطلاق نفسه، وتُضخ في بناء القدرة الهيكلية التي كان يُفترض أن يعالج الإصلاح ضعفها. فالتدخل العاجل وحده، دون مسار موازٍ، هو وعد ضمني باستمرار العطب.
- خريطة المستفيدين المحتملين. من سيربح من استمرار هذا التدخل بعد انتهاء مبرره الأصلي؟ هذه الخريطة جزء من وثيقة الإطلاق نفسها، وتُراجَع بشكل دوري.
الشبكة التي لا تُرى مبكرًا، تُصبح لاحقًا هي صاحبة القرار.
خامسًا · شاركنا في الغرفة اختبار الكوبرا
قبل أن توقع القرار التالي الذي يَعِد بنتائج كبيرة وسريعة، مرِر التدخل عبر ثلاثة أسئلة. هذا ما أسميه اختبار الكوبرا:
- هل يخلق هذا التدخل حافزًا، ماليًا أو مهنيًا أو سياسيًا، لأي فاعل داخل النظام كي تستمر المشكلة بدل أن تُحل؟
- هل يُخفف النجاح الظاهر لهذا التدخل الضغط المؤسسي المطلوب لبناء الحل الجذري الأكثر كلفة؟
- إن توقف هذا التدخل غدًا، من الذي سيخسر؟ وهل خسارته هي هدف السياسة، أم أثرها الجانبي؟
إذا كانت الإجابة بـ«نعم» على سؤالين من الثلاثة، فأنت توقع على بناء مزرعة كوبرا بموارد الدولة.