المسارات الكتابات مساحات الحوار والعمل عني تواصل
استراتيجيا الدولة · فيل في الغرفة

حصان ميت على طاولة الوزير

الجميع يعرف، لكن لا أحد يجرؤ على دفنه: قراءة في الاقتصاد السياسي الذي يُبقي البرامج الميتة على الورق حيةً، ولماذا تفضل المؤسسات تغيير السرج بدل النزول عن الحصان.

وقت القراءة · 9 دقائق عدد نشرة «فيل في الغرفة»

أولًا · مدخل فرضية ماتت في اليوم الأول

في مايو 1879، انعقد في باريس مؤتمر دولي للبت في مسألة شغلت الرأي العام الفرنسي: كيف تُحفر قناة تصل الأطلسي بالهادئ عبر برزخ بنما؟ حضر المؤتمر مئة وستة وثلاثون مندوبًا، ترأسهم فردينان دي لسبس، بطل قناة السويس، وكان في الرابعة والسبعين. وحين تقدم المهندس الفرنسي أدولف غودان دو ليبيناي بمقترح قناة تعتمد الأهوسة لتجاوز تضاريس بنما الجبلية، صوت المؤتمر لصالح الخيار الذي أراده دي لسبس: قناة بلا أهوسة، على منسوب سطح البحر، مثل السويس. خرج دي لسبس من الجلسة حاملًا لقب Le Grand Français، ومعه فرضية ماتت قبل أن تُولد.

بنما ليست مصر. بين البحرَين جبال، ونهر غزير هو نهر شاغرس يفيض مع الأمطار الاستوائية، وأرض موبوءة بالحمى الصفراء والملاريا. لكن دي لسبس أصر على التصميم المسطح. اسمه كان مرتبطًا بقناة بلا أهوسة، وأي قبول بالأهوسة في بنما كان اعترافًا بأن صيغته الأولى ناقصة. بدأ العمل في الميدان عام 1881.

خلال ثماني سنوات، حُفر أقل من نصف ما احتاجه المشروع. سقط نحو اثنين وعشرين ألف عامل في مستنقعات الحمى وانزلاقات الأرض. وفي باريس، كان ثمانمئة ألف مكتتب صغير ينتظرون أخبارًا من قناة لا تتقدم. ومع كل فشل، ابتكر الجهاز المحيط بدي لسبس مسارًا جديدًا لاستعادة الثقة والمال: قرضًا بالقرعة، تعديلًا في العقود، موافقة تشريعية جديدة، رحلة ميدانية لتحسين المعنويات. كل شيء عدا الشيء الوحيد الذي طلبه المهندسون منذ اليوم الأول: تغيير التصميم.

في 1888، وبعد أن كانت الشركة تنزف أنفاسها الأخيرة، قَبِل دي لسبس أخيرًا فكرة الأهوسة، واستُدعي غوستاف إيفل لتصميمها. كان الوقت قد فات. في فبراير 1889 قضت محكمة السين بتصفية الشركة العالمية لقناة ما بين المحيطين. خسر المكتتبون مدخراتهم، وهزت فضيحة رشاوى مئة وخمسين نائبًا أركانَ الجمهورية الثالثة، ومات دي لسبس قبل أن يقضي حكم السجن الصادر بحقه. بعد خمسة عشر عامًا، جاء الأميركيون واشتروا ما تبقى وأكملوا القناة. كانت قناةً بالأهوسة، كما أراد المهندسون في الجلسة الأولى عام 1879.

دي لسبس لم يركب هذا الحصان وحده. ركبه معه كل من كان في موقع القرار: مهندس يخاف إعلان الخطأ، ومكتتب لا يريد تسييل الخسارة، ونائب يحمي تصويته، وصحافي لا يستطيع تكذيب ما كتبه بالأمس. تسع سنوات، وكل واحد منهم ينتظر أن يترجل غيره أولًا.

السؤال الذي تطرحه هذه القصة بسيط: لماذا لم يترجل أحد في السنة الأولى؟ الترجل كان متاحًا لكل المعنيين، وكان ثمنه اعترافًا صغيرًا اليوم لتجنب انهيار كبير غدًا. وهذه الكلفة الصغيرة بالذات هي ما عجز الجهاز عن دفعها.

هذا هو المشهد ذاته الذي يتكرر، بصِيَغ أصغر حجمًا وأقل فضيحةً، في مئات الوزارات والهيئات والمنظمات الدولية كل أسبوع.

ثانيًا · تسمية الفيل الإصرار على ركوب الحصان الميت

الفيل في الغرفة هو الإصرار على ركوب الحصان الميت.

ثمة مَثَل قديم يُنسب إلى حكمة قبائل داكوتا يقول:

حين تكتشف أنك تمتطي حصانًا ميتًا، فإن أفضل استراتيجية هي أن تترجَل.

حكمة منسوبة إلى قبائل داكوتا

لكن ما يحدث في الواقع المؤسسي هو كل شيء عدا الترجل: تغيير السرج، تبديل الفارس، تشكيل لجنة لدراسة أداء الحصان، الاستعانة بخبير دولي لتقييم حيويته، إعادة تسميته، أو في أسوأ الحالات ربط عدة أحصنة ميتة معًا أملًا في أن تتحرك.

في هذه الحالة، لا يجرؤ أحد على القول إن الحصان قد مات. يقولون إنه يحتاج إلى مراجعة، أو إعادة هيكلة، أو منصة جديدة، أو فريق دعم، أو مرحلة ثانية.

ويصر الجميع على إصلاح السرج، لأن إصلاح السرج يُنتج حركة: اجتماعًا وتقريرًا ومهمة ومسارًا فرعيًا وبدايةً وهمية. ولهذا يستمر ضخ الوقت والمال في شيء فقد شروط حياته، لأن النزول عنه يفتح أسئلة لا يريد أحد فتحها: من الذي قرر هذا المسار أصلًا؟ ومن وقع؟ ومن مول؟ ومن استفاد؟ ومن سيُسأل إذا قيل الآن، بعد كل هذا الوقت، إننا كنا نبني فوق فرضية منتهية الصلاحية؟

الخلاصة المحورية

جوهر العطب أن تصبح كلفة الاعتراف بالموت أعلى من كلفة استمرار الفشل. فيستمر الركوب لأن الترجل أكلفُ من الاستمرار، حتى حين يكون الحصان قد مات.

ثالثًا · منطق العطب لماذا يستمر الركوب عقلانيًا؟

ركوب الحصان الميت لا يستمر عبثًا، فله منطق يبدو، من داخل المؤسسة، معقولًا تمامًا. وهو يتكون من ثلاث طبقات متشابكة.

1. التكلفة الغارقة وصورة الذات

حين يبذل المسؤولون سنوات من الجهد وملايينَ من التمويل وعشرات العقود، يتحول البرنامج من مجرد أداة إلى جزء من هوية المؤسسة ومن صورة القيادة عن نفسها. التوقف عندئذ يصبح اعترافًا بأن زمنًا كاملًا استُهلك في الاتجاه الخطأ. وهذا النوع من الاعتراف نادر في المؤسسات.

باري ستو، في دراسته المرجعية Knee-Deep in the Big Muddy (1976)، أثبت ذلك مختبريًا: حين أُبلغ المشاركون أن مشروعًا استثماريًا يتعثر، لم يوقفوه، وضخوا فيه مواردَ إضافية. والأشد أن هذا السلوك تضاعف حين كان المشارك هو نفسه من اتخذ القرار الأصلي. القرار السابق يصبح جزءًا من صورة الذات، وإلغاؤه يعني شرخًا في الأنا قبل أن يكون رقمًا في الميزانية.

انقل هذا من المختبر إلى وزارة، أو مكتب مانح، أو هيئة سيادية، وستفهم لماذا يستمر الضخ حتى بعد أن يعرف الجميع أن الحصان توقف عن التنفس.

2. منطق البقاء المؤسسي

ثمة مؤسسات كثيرة تكافئ من يُبقي برنامجه أو مشروعه حيًا على الورق، ولو كان في المسار الخاطئ. ذلك أن من يُغلق البرنامج يخسر ميزانيته وفريقه ومكانته. أما من يمدده، ويعيد تغليفه، ويُطلق مرحلةً ثانية، فيحافظ على التمويل والوظائف وسلسلة التقارير، وربما السفر أيضًا.

الحصان الميت ليس عبئًا على الجميع. ثمة دائمًا من يعيش على جثته.

3. معايرة الميزان بدل معالجة الواقع

عندما تعجز المؤسسة عن تغيير الواقع، تغير طريقة حسابه. تستبدل المؤشر بدل أن تواجه ما يكشفه المؤشر. تنتقل من قياس الأثر إلى قياس النشاط. يصبح عدد الورش دليلًا على التقدم، وعدد الاجتماعات مؤشرًا للنجاح.

يموت الحصان، فتُعاد معايرة الميزان ليظهر أنه ما يزال يتحرك.

حين يُركب الحصان الميت على مستوى الدولة

يزداد الأمر خطورة حين يُتعامل مع هذا المنطق على مستوى بلد بأكمله. ففي بعض البلدان، خاصة التي تمر في مراحل انتقالية وإعادة بناء الدولة، يتعامل بعض المسؤولين مع الواقع وكأن فرضياته القديمة ما تزال قابلة للحياة. والأقسى من ذلك كله أن نخبًا، في الداخل والخارج، ما تزال تتعامل مع الدولة والاقتصاد والمجتمع بأدوات ما قبل الكارثة.

من يتخيل أن مركزية صلبة قادرة وحدها على الإمساك ببلد تغيرت جغرافيته السياسية والاجتماعية، يركب حصانًا ميتًا. ومن يستدعي وصفات سوق مفتوح لاقتصادٍ فقد جزءًا هائلًا من رأسماله البشري وبنيته الإنتاجية، يركب حصانًا آخر. كلاهما منشغل بشكل السرج، والحصان تحته قد مات.

وتُبين باربارا تاكمان، في كتابها The March of Folly: From Troy to Vietnam (1984)، أن الحماقة السياسية تكمن في تجاهل المعلومة الصحيحة، والمضي في المسار الخاطئ مع أن البديل ممكن ومتاح. ومن طروادة إلى فيتنام، كانت المشكلة واحدة: عجز عن التراجع حين يصبح التراجع هو الفعل العاقل.

خطورة الحصان الميت أن كثيرين يعرفون أنه مات، ثم يواصلون ركوبه، لأن النزول عنه يفتح أسئلة لا يملكون لغة لقولها، ولا بنية لاحتوائها.

رابعًا · ما يجب الالتفات إليه علامات الحصان الميت

الحصان الميت لا يسقط بالضرورة أمام الجميع. غالبًا يُحنَط، ويُعطَر، ويُعطى اسمًا جديدًا، ثم يُدفع إلى الطاولة بوصفه «مسارًا واعدًا».

لذلك، راقب هذه الإشارات الأربع:

الإشارة الأولى

غياب سؤال الفرضية

حين يدور النقاش كله حول «كيف ننفذ؟»، ولا يجرؤ أحد على سؤال «هل ما نريد تنفيذه ما يزال يستحق التنفيذ؟»، فتمهل.

الإشارة الثانية

تغير الاسم مع ثبات المنطق

حين يتغير اسم المشروع ثلاث مرات ولا يتغير منطقه مرة واحدة، فأنت أمام حصان ميت يُعاد تعطيره بديلًا عن إصلاحه.

الإشارة الثالثة

اقتصاد المستفيدين

اسأل: من الذي يخسر أكثر إذا اعترفنا بأن هذا المسار انتهى؟ حين تعرف الجواب، تعرف غالبًا لماذا يستمر.

الإشارة الرابعة

الفجوة بين المغلق والمعلَن

راقب الفجوة بين ما يُقال في الغرف المغلقة وما يُكتب في الوثائق الخارجية. حين تكبر الفجوة، تكون كلفة الصراحة صارت أعلى من كلفة الوهم.

لكن السؤال الأخير لا ينبغي أن يظل موجَهًا إلى الآخرين وحدهم. فبعض أخطر الأحصنة الميتة تقيم في تصوراتنا نحن: مشروع نعرف أنه لم يعد يحملنا، أو خطة نستبقيها لأنها تمنحنا شعورًا زائفًا بالاتساق، أو صورة عن المسار لم تعد حية، لكننا نواصل ترتيب كل شيء حولها كي لا نعترف بأنها انتهت.

خامسًا · شاركنا في الغرفة سؤالان لا يُجابان

سؤالان للتأمل

السؤال الأول: ما الحصان الميت الذي ما يزال يجلس على طاولتكم كل صباح كأنه بند عمل عادي؟

السؤال الثاني، والأصعب: ما الفرضية التي تعرف أنت شخصيًا أنها انتهت، لكنك ما تزال ترتب حولها كل شيء، كي لا تعترف بأنها ماتت؟

لا تشاركنا الإجابة، لكن لا تُهمل السؤال.

شارك هذا المقال