المسارات الكتابات مساحات الحوار والعمل عني تواصل
الإدارة العامة · فيل في الغرفة

فأر سد مأرب

عن الموظف الصغير الذي يتحكم بإيقاع الدولة: كيف تتحول نقطة اختناق واحدة إلى قوة تُبطئ كل شيء، وتنخر في ثقة المواطن دون أن تُسجَل كتعطيل؟

وقت القراءة · 10 دقائق عدد نشرة فيل في الغرفة

أولًا · مدخل كيف خرب فأر صغير حضارة كاملة

تروي بعض كتب التاريخ العربي أن سد مأرب، السد الذي حجز مياه سبعين واديًا لقرون، أسقطه فأرٌ صغير اكتشف ثقبًا في أساساته، ثم تبعته فئران أخرى، فأخذت تنخر في الجدار الذي يحمي مملكة سبأ. لاحظ بعض السبئيين تسربات ماء متناثرة في البداية، غير أن أحدًا منهم لم يعرها اهتمامًا كافيًا. ثم توالت السنون، وتراكم النخر، حتى جاء اليوم الذي انهار فيه السد دفعة واحدة. هكذا جاء سيل العرم الذي خلده القرآن الكريم في سورة سبأ: (فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتَي أكل خمط وأثل).

أرخ المؤرخون الانهيار الأخير للسد في أواسط القرن السادس الميلادي، بعد سلسلة من الانهيارات الجزئية التي امتدت قرونًا. ويختلف المؤرخون حول الرواية التفصيلية للحادثة، فمنهم من يُرجع سقوط السد إلى فأر نخر في أساساته، ومنهم من يراه نتيجة ضعف متراكم في الترميم وفي استقرار الدولة. غير أن الصورة الرمزية استقرت في الذاكرة العربية أقوى من الجدل التاريخي التفصيلي، ولعلها وجدت أبلغ تعبير عنها في بيتَي الشاعر عمارة اليمني (ت 569 هـ):

ولا تحتقرْ كيدَ الضعيفِ فربما ... تموتُ الأفاعي من سمومِ العقاربِ
فقد هدَ قِدْمًا عرشَ بلقيسٍ هُدهدٌ ... وخرَب فأرٌ قبل ذا سدَ مأربِ

الشاعر عمارة اليمني

غير أن البيت الثاني تحديدًا يختصر فكرة العلاقة بين الحجم والأثر: الفاعل الصغير قد يُسقط البناء الكبير، حين تُترك شقوقه الصغيرة بلا انتباه. هذه الصورة، البعيدة بقرون عن أدبيات الإدارة الحديثة، تشرح بدقة ظاهرة درسها باحثون معاصرون في قدرة الدولة: أن إنهاك الأنظمة الإدارية نادرًا ما يأتي من ضربة واحدة كبيرة. يأتي من تراكم بطءٍ صامت في ألف نقطة صغيرة، لا يلتفت إليها المسؤول الكبير.

وما أريد أن أتأمله اليوم هو فأر آخر. فأرٌ يعمل على مادة أهش من الحجر: ثقة المواطن بدولته. يجلس خلف مكتب، يتصفح ملفًا روتينيًا، ثم يقول: راجعنا الأسبوع القادم.

ثانيًا · تسمية الفيل الموظف الصغير ومفاتيح الإيقاع

عاد مواطن إلى بلده بعد سنوات، يُرافقه طموح أن يُسهم في إعادة البناء. بدأ بخطوة بدت بسيطة: طلب ترخيص شركة. قدم أوراقه كاملة، بالهوية والكتاب الرسمي الموقع المختوم. تصفح الموظف الملف بهدوء، ولم يعترض على شيء، ولم يطلب شيئًا إضافيًا. قال فقط: راجعنا الأسبوع القادم.

في الأسبوع التالي، تتغير الملاحظة. هذه المرة هناك خطأ في المعاملة، لكن الموظف لا يعرف أين الخطأ تحديدًا. ينصح المواطن بمراجعة الإدارة العليا. يُراجعها، فلا يجد لديهم شيئًا، ويعود الملف إلى مكانه الأول، معلقًا في منطقة رمادية بين القبول والرفض، يحكم عليها الموظف وحده. يمر أسبوع آخر، والموظف في مكانه، والملف في الدرج، والمواطن يستهلك طاقته دورانًا بين المكاتب، حتى ييأس. تبقى المعاملة قائمة على الورق، غير أن الفكرة تنطفئ في رأسه. تُلغى الشركة. ويتكون في مكانها سخط صامت مفاده أن الوضع لم يتغير، وأن الجميع يشبهون بعضهم.

هذا المشهد يغيب عن اجتماعات المسؤولين، والتقارير الشهرية لا تلتقطه، ولن تجده مسجلًا في لوائح التعطيل. المدير قد يسهر ثلاث ساعات يوقع فيها عشرات المعاملات. الوزير يتلقى أرقام الإنجاز. الجداول ممتلئة، والبريد لا يتوقف. ومع ذلك، الإيقاع كما يعيشه المواطن، بطيءٌ إلى حد الإنهاك. ومن وراء هذا كله، يجلس الفأر.

الفيل في الغرفة هنا شيء آخر غير الموظف الفاسد أو الكسول، وغير الموظف سيئ النية. إنه نمط إداري صامت يتشكل حين تتحول نقطة صغيرة في الإجراء إلى نقطة اختناق، وحين يُصبح إيقاع المعاملة بيد شخص واحد. يعمل هذا النمط داخل النظام وباسمه، مستخدمًا الغموض، والتأجيل، وغياب المساءلة الزمنية.

في هذا النمط، الموظف لا يرفض المعاملة. يُعلقها. ومع تكرار السلوك ذاته في عشرات الدوائر الحكومية، يتحول التأخير من استثناء إلى حالة مستمرة، ومن تفصيل إداري صغير إلى عامل يُحدد سرعة الدولة نفسها. هذا هو الفيل الذي نادرًا ما يُسمى: موظف صغير، بصلاحيات محدودة، يتحكم رغم ذلك بإيقاع الدولة.

الخلاصة المحورية

الانهيارات الكبرى تبدأ في الغالب من توقف صغير، صغير إلى درجة لا يلتفت إليها أحد.

ثالثًا · منطق العطب الصلاحية التقديرية حين تنقلب إلى سلاح

في عام 1980، نشر عالم السياسة الأمريكي مايكل ليبسكي كتابه المرجعي Street-Level Bureaucracy، الذي قلب الطريقة التي ننظر بها إلى الموظف الحكومي. قبل ليبسكي، كانت السياسة العامة تُدرَس من فوق، بوصفها قرارات تصدر عن القادة وتنزل إلى التنفيذ. بعده، صار واضحًا أن السياسة الفعلية تُصنع في مكان بعيد عن مجلس الوزراء، حيث تُطبَق: على المكاتب التي يجلس خلفها الموظف الصغير.

الفكرة المحورية عند ليبسكي تقوم على مفهوم الصلاحية التقديرية (Discretion). كل موظف يعمل في مواجهة المواطن، سواء أكان شرطيًا أم معلمًا أم أمين صندوق أم موظف ترخيص، يملك هامشًا من الحرية في تطبيق القانون. يختار كيف يُفسر التعليمات، وكيف يُرتب الطلبات، وكيف يُعامل الحالات الملتبسة. ومن خلال هذا الهامش، يُعيد الموظف في الواقع كتابة السياسة العامة يوميًا، دون أن يُدرك بالضرورة أنه يفعل ذلك.

ينبغي أن نفهم هذه الصلاحية التقديرية بوصفها ضرورةً لا خللًا بنيويًا. فالمؤسسة المكتظة لا يمكنها أن تنص على كل تفصيل، ويحتاج الموظف إلى هامش من الحكم للحالات التي لم يتنبأ لها المشرع. تبدأ المشكلة حين تنقلب الصلاحية التقديرية من وسيلة لخدمة المواطن إلى أداة لتعطيله. عند هذا الحد تتحول المرونة التي يُفترض أن تحمي الناس إلى سلطة صامتة تُعطلهم باسم الإجراء.

حين نقرأ الواقع العربي بهذه العدسة، يتضح مصدر عطب البيروقراطية، وهو أن النظام المحيط بهم يُكافئ الإبطاء ولا يحاسب عليه. :

1. تصميم إداري يجعل الإبطاء آمنًا وغير مرئي

في كثير من الدوائر الحكومية، لا يوجد سقف زمني ملزم لأي معاملة. كذلك تغيب الجهة المستقلة التي ترصد مدة الفصل، وتغيب معها العقوبة الواقعية على التأجيل المتكرر. نتيجة ذلك أن الموظف يكتشف غريزيًا أن الرفض يُنتج خصومة، والموافقة قد تُنتج مسؤولية، غير أن التعليق لا يُنتج شيئًا. ومن ثم يصبح تعليق الملف هو الخيار الآمن لموظف لا يملك سلطة كافية للرفض ولا ثقة كافية للموافقة.

2. اقتصاد سياسي خفي يربح من البطء

البطء لا يُولَد في فراغ. حيث تنمو حوله شبكة مصالح خفية: سماسرة يعرفون كيف يُسرعون المعاملة، ومكاتب استشارية توفر الوقت مقابل رسوم، وعلاقات شخصية تختصر الطوابير. كلما طال البطء، كبرت هذه السوق الموازية. وتبعًا لذلك، يكتشف الموظف أن البطء يُنتج تدفقًا صغيرًا من الامتيازات، سواءً كانت مباشرة في شكل إكراميات، أو غير مباشرة في شكل نفوذ يتراكم مع الوقت. على أن الموظف نفسه قد لا يكون فاسدًا، لكنه يعمل داخل نظام تعلم أن البطء يدفع ثمنه المواطن، بينما يستفيد منه وسيط ما.

3. تآكل الشرعية اليومية

تُعرف الدراسات المعاصرة في قدرة الدولة الفشل السياسي بأنه العجز عن تنفيذ الوعود اليومية الصغيرة. حين تتراكم العطالة، يشاهد المواطن بطئًا مهينًا يتكرر دون تفسير. في مثل هذه الحال، يُنتج البطء ما يُمكن تسميته تآكل الشرعية اليومية: ركودًا صامتًا تُخمد فيه المبادرات، ويُعاد إنتاج منطق (كلهم يشبهو بعض)، ويتحول الناس تدريجيًا من شركاء في البناء إلى ناقمين أو منسحبين بصمت.

في مراحل بناء الدولة وإعادة بنائها يتضاعف هذا الخطر، لأن الناس لا يهتمون كثيرًا بالخطب والوعود الكبرى. اهتمامهم ينصب على ما يُؤثر في حياتهم اليومية، وعلى معاملتهم اليومية مع ما يُمثل الدولة في عينهم. وتبعًا لذلك، يُقرأ أي بطء في هذه المرحلة كعودة للماضي، ويُفسَر أي تعطيل صغير كإشارة على أن شيئًا لم يتغير. عندها، يُعطل الموظف إجراءً إداريًا وفكرةً للدولة في الوقت ذاته.

في هذا النمط، تتحول العطالة من خطأ إلى تصميم، يُكافئ من يُبطئ ويعاقب من يُبادر.

رابعًا · ما يجب الالتفات إليه الدولة كما يراها المواطن في يومه

يكمن الخطر في افتراضٍ شائع: أن الخلل يأتي من الأعلى فقط. هذا الافتراض يجعلنا نُراقب القمة ونغفل عن الأطراف، فنبحث عن المسؤولين الكبار ونتجاهل الاختناقات الصغيرة التي تُبطئ إيقاع الدولة من الداخل.

لترى الدولة كما يراها المواطن في يومه، راقب هذه الإشارات الأربع داخل أي جهاز تديره:

الإشارة الأولى

غياب الساعة على الملف

إذا لم يكن لكل معاملة سقف زمني مكتوب، تعرف أن إيقاع الجهاز في يد الموظف قبل أن يكون في يد القانون.

الإشارة الثانية

نمو السوق الموازية

حين يظهر وسطاء خارج النظام يعرفون كيف يُنجزون ما يعجز عنه المواطن، يكون النظام الرسمي قد أعلن عن خلله دون أن يدري.

الإشارة الثالثة

لغة التعليق بديلًا عن لغة القرار

الموظف الذي يقول (راجعنا لاحقًا) أكثر من الموظف الذي يقول (مقبول) أو (مرفوض)، هو موظف تعلم أن التعليق أأمن من القرار.

الإشارة الرابعة

الشكاوى التي لا تُصل

حين يعجز المواطن عن تتبع شكواه، ويغيب عنك متى اشتكى وكيف أُغلق ملفه، فأنت تُدير نظامك من القمة فقط، والأطراف خارج رؤيتك.

الخروج من منطق البطء يحتاج إلى أكثر من توعية الموظف أو تدريبه. يحتاج إلى إعادة تصميم الإجراء نفسه، بحيث يُصبح الإبطاء مرئيًا ومُكلفًا. ثلاث روافع تعمل معًا:

  1. ساعة على كل ملف. لكل معاملة سقف زمني مُلزم. فإذا تجاوز الملف سقفه، يُحال تلقائيًا إلى مستوى أعلى دون أن يتحرك المواطن من مكانه. هذا يحول كلفة البطء من المواطن إلى النظام.
  2. رصد مستقل لنقاط الاختناق. جهة قياس مستقلة عن جهة التنفيذ، صلاحيتها الوحيدة أن ترصد الفارق بين المدة المُعلنة والمدة الفعلية. الجهة التي تقيس أداءها بنفسها نادرًا ما ترى أعطالها.
  3. حماية مؤسسية للمبادرة. طالما أن الموظف يدفع ثمن القرار ولا يدفع ثمن التأجيل، يختار التأجيل. لذلك يحتاج النظام إلى تمييز واضح بين الخطأ المعقول والخطأ المقصود، مع حماية الأول ومحاسبة الثاني. هذا وحده ما يُعيد للموظف جرأة أن يقول (نعم) أو (لا).

تُقاس قوة الدولة بقدرتها على منع التعطيل الصامت الذي يُنهكها دون أن يظهر.

خامسًا · شاركنا في الغرفة وقفة للتأمل

أسئلة لمن يُشرف على جهاز حكومي

إذا كانت الدولة تُقاس بقدرتها على الحركة، فَلنفكر معًا:

  1. أين تتوقف حركتك دون أن تُلاحظ؟
  2. من يملك فعليًا مفاتيح هذا التوقف؟ اسم واحد لكل اختناق، لا مسمى وظيفي مبهم.
  3. وهل تُدرك أن السد ينهار الآن، دون أن تشعر؟

كان سد مأرب واحدًا من أعجب ما شيده العرب قبل الإسلام. قبائل كاملة عاشت قرونًا في ظل ازدهاره. فلما انهار، تفرقت قبائل سبأ في كل اتجاه، وصار سيل العرم ذكرى حضارة سقطت تراكمت غفلتها على مدى سنوات، جعلت ثقبًا صغيرًا يكبر حتى يبتلع سدًا بأكمله.

هذا ما يُميز الانهيارات البنيوية عن الأزمات العابرة. الأزمة تَحدث فتُلاحَظ. أما الانهيار البنيوي، فيحدث أمام الجميع كل يوم، ومع ذلك لا يراه أحد.

شارك هذا المقال