المسارات الكتابات مساحات الحوار والعمل عني تواصل
الإدارة العامة · فيل في الغرفة

لماذا نحتاج عشرة أشخاص لتبديل مصباح؟

عن فخ تفتيت المسؤولية وضريبة الهروب إلى اللجان: كيف تقتل المؤسسات المبادرة باسم العمل الجماعي، ولماذا تتحول اللجنة أحيانًا من أداة إلى درع؟

وقت القراءة · 10 دقائق عدد نشرة «فيل في الغرفة»

أولًا · مدخل ليلة كاملة من الاجتماعات تعجز عن إنقاذ سبع أرواح

في مساء السابع والعشرين من يناير 1986، قبل ساعات من إطلاق مكوك الفضاء تشالنجر، كان المهندس روجر بويسجولي يحاول منع كارثة. كان يعرف أن الحلقات المطاطية التي تُغلف الوصلات في المحركات الصاروخية تصبح هشة في الطقس البارد. وفي صباح الغد كانت فلوريدا تعاني أبرد ليلة في تاريخ عمليات الإطلاق. جمعت شركته «مورتون ثيوكول» اجتماعًا عاجلًا عبر الهاتف مع مسؤولي وكالة ناسا. كان بويسجولي واضحًا: «لا تُطلقوا».

المكالمة استمرت ساعات. مهندسو ثيوكول رفضوا التوصية بالإطلاق. مسؤولو ناسا طلبوا البيانات ثم طلبوا المزيد. في لحظة ما، قال أحد كبار مديري ثيوكول جملته الشهيرة لزميله المهندس: «اخلع قبعة المهندس، والبس قبعة المدير». انقلب التصويت. أُرسلت توصية الإطلاق. في الصباح التالي، بعد ثلاث وسبعين ثانية من الإقلاع، انفجر تشالنجر في سماء فلوريدا أمام ملايين المشاهدين، ومات السبعة على متنه.

قضت لجنة التحقيق الرئاسية، برئاسة ويليام روجرز، أشهرًا تفحص ما حدث. لكن ديان فوغان، عالمة الاجتماع الأمريكية، احتاجت عشر سنوات كاملة لتكتب الجواب الأعمق. في كتابها المرجعي «The Challenger Launch Decision» (1996)، أثبتت أن جذر الكارثة يقع في فراغ القرار، قبل أن يقع في سوئه. فبين مهندسي ثيوكول، ومديريها، ومهندسي ناسا، ومركز مارشال، ومركز جونسون في هيوستن، ومركز كينيدي، ولجان السلامة، واللجان الفرعية، كان كل طرف يفترض أن الطرف الآخر قد تحقق من الحلقات المطاطية. المسؤولية كانت موزعة على الجميع. المسؤولية الفعلية كانت منعدمة.

في الأنظمة المعقدة، تقع الكارثة حتى من دون قرار سيئ. يكفي أن يُوزَع القرار على عدد كبير من الناس، حتى يصبح مُشاعًا بلا صاحب.

بين انفجار مكوك في سماء فلوريدا، ومصباح معطل في ممر وزارة، قد تبدو المسافة شاسعة. لكنها في الحقيقة مسافة قصيرة جدًا. كلاهما يحدث حين تُذاب سلطة الفرد المسؤول داخل كيان جماعي يضمن ألا تُحمَل كلفة القرار على شخص بعينه. والفرق بين كارثة ناسا وبيروقراطيتنا فرق في الحجم وحده، لكن المنطق واحد.

ثانيًا · تسمية الفيل الاحتماء بالكثرة

يظهر هذا النمط في مؤسساتنا الحكومية في أبسط المواقف، من دون الحاجة إلى مكوك فضاء. يكفي أن يُكتشف مصباح معطل في ممر خارجي. تُحال المسألة إلى الإدارة الفنية، فتُشرك السلامة المهنية، فتطلب السلامة تنسيقًا مع الشؤون الإدارية بسبب الميزانية، فتطلب الشؤون رأي الصيانة، فتقترح الصيانة نوعًا مختلفًا من المصابيح لخفض الاستهلاك. يتذكر أحدهم تعميمًا قديمًا عن كفاءة الطاقة. يُشير آخر إلى المواصفات القياسية. تُشكَل لجنة. تجتمع مرتين. يُسأل في المحضر: «هل نحتاج موافقة إضافية لأن الممر يخدم طابقين؟». ويُسجَل السؤال من دون إجابة. يمر أسبوع، والمصباح ما يزال معطلًا.

السؤال الذي يُلح هنا يتجاوز «لماذا تأخر تبديل المصباح؟» إلى: لماذا احتجنا أصلًا إلى هذا العدد من الناس لشيء كان يمكن أن يُحسَم في خمس دقائق؟

الفيل في الغرفة هو تفتيت المسؤولية (Diffusion of Responsibility)، وهو العطب الذي يُحول اللجنة من أداة للمشورة إلى درع للهروب من عبء القرار الفردي. أُسمي هذا النمط من الإدارة: الاحتماء بالكثرة.

أقصد بالاحتماء بالكثرة: استراتيجية إدارية تُذاب فيها سلطة الفرد المسؤول داخل كيان هلامي (لجنة أو فريق عمل)، بما يضمن ألا تُحمَل كلفة الفشل على شخص بعينه، وألا يُعرَف على وجه الدقة من صاحب القرار أصلًا.

في أدبيات علم النفس الاجتماعي، رصد الباحثان بيب لاتانيه وجون دارلي هذه الظاهرة لأول مرة عام 1968، في أعقاب التغطية الصحفية الواسعة لحادثة مقتل كيتي جينوفيزي بنيويورك عام 1964. أثبت الباحثان أن احتمال استجابة الفرد للحاجة ينخفض كلما زاد عدد الشهود. الآلية هنا بعيدة عن شر الناس، وتسكن في أن وجود آخرين يُخفف الشعور الشخصي بالمسؤولية. كل واحد يفترض أن الآخر سيتحرك.

ما اكتشفه لاتانيه ودارلي في الشارع، كرره لاحقًا عشرات الباحثين في المكاتب. في أدبيات الإدارة السلوكية المعاصرة، يُعرَف الوجه التنظيمي لهذه الظاهرة بـ اتخاذ القرار الدفاعي (Defensive Decision Making): أن يختار المسؤول الخيار الأقل خطرًا عليه شخصيًا بدلًا من الأفضل لمنظمته. وكلما اتسعت دائرة المشاركين، صار هذا الخيار أسهل، لأن القرار الجماعي يوفر غطاءً لا يوفره القرار الفردي.

الخلاصة المحورية

في نظام الإنجاز المعطوب، يُقاس النجاح بسلامة الإجراء قبل أن يُقاس بعودة الضوء. حيث يُنسب النجاح للجميع إذا تحقق، بينما يتبدد الفشل بين الأطراف عند الإخفاق، ويضيع دم القرار بين القبائل.

ثالثًا · منطق العطب ثلاث طبقات تشكل ظاهرة هوس اللجان

هوس اللجان في مؤسساتنا يتجاوز العَرَض السطحي. هو نتاج ثلاث طبقات متشابكة، تعمل كل واحدة منها بمنطق دفاعي مكتمل.

1. الطبقة السلوكية: غريزة الأمان في الجماعة

حين تزداد دائرة المشاركين في القرار، تختفي تدريجيًا إجابة السؤال «من صاحب القرار؟». ويكتشف الفرد غريزيًا أن ما يُصنع بالجماعة يُفلت من المحاسبة الفردية. كما يصف بعض المحللين هذا السلوك: الذئب يتجنب من يسير في وسط القطيع، والمدير يعجز عن محاسبة من يختبئ خلف تواقيع عشرة زملاء.

2. الطبقة الثقافية: المؤسسة التي تعاقب المبادرة

في أي بيئة يكون فيها ثمن الخطأ أعلى من ثمن التأخير، يتعلم الموظف غريزيًا أن التأخير أأمن من المبادرة. يصير البحث عن اللجنة سلوكًا عقلانيًا بالكامل. فهي تُعطي انطباعًا بالعمل، وتؤجل لحظة القرار، وتُوزع الكلفة. هكذا تتحول اللجنة من أداة لتجويد القرار إلى أداة لامتصاص القلق المرتبط بالحسم.

3. الطبقة البنيوية: النظام الذي لا يحمي الخطأ المعقول

حتى لو أراد الموظف المسؤول أن يُبادر، يصطدم بواقع مؤسسي لا يميز بين الخطأ المقصود والخطأ المعقول. تغيب «المساحة الآمنة للفشل الذكي». كل خطأ يتحول إلى ملف. كل ملف يتحول إلى احتمال عقوبة. في هذا السياق، يصبح توزيع المسؤولية آلية حماية ذاتية لا خيارًا إداريًا.

الطبقات الثلاث تتغذى على بعضها: الغريزة تُنتج السلوك، والسلوك يُنتج الثقافة، والثقافة تُعيد تصميم النظام. في النهاية، تُكافأ المؤسسة من يُخفي قراره داخل الجماعة، وتُعاقب من يتحمله وحده.

حين اجتمعت هذه الطبقات الثلاث في ليلة إطلاق تشالنجر، كانت كافية لقتل سبع أرواح. وحين تجتمع في بيروقراطيتنا، فهي كافية لتعطيل مصباح، ثم مرسوم، ثم مشروع وطني.

رابعًا · ما يجب الالتفات إليه اللجنة: من الملاذ إلى الأداة

وجود اللجان في العمل العام أمر مشروع في أصله. اللجنة الجيدة تُضيف خبرات، وتُوزع وجهات نظر، وتُقلل نقاط العمى. الخلل يظهر حين تتحول اللجنة إلى استجابة افتراضية لكل مسألة، بصرف النظر عن طبيعتها أو مستوى القرار المطلوب فيها.

للتمييز بين اللجنة الوظيفية واللجنة الدفاعية، راقب هذه الإشارات الأربع:

الإشارة الأولى

غياب اسم واحد

حين لا تستطيع الإجابة في جملة واحدة عن سؤال «من صاحب القرار؟»، فأنت أمام قرار صُمم ليضيع.

الإشارة الثانية

طول سلسلة الموافقات

حين يتجاوز عدد التواقيع المطلوبة عدد الأشخاص الذين يفهمون الملف فعلًا، فاللجنة تُبطئ أكثر مما تُحسن.

الإشارة الثالثة

التوصية المُعلقة

حين تخرج اللجنة بـ«توصية تحتاج إلى اعتماد»، وتخرج الاعتماد ليحتاج بدوره إلى «دراسة إضافية»، فأنت أمام حلقة تدور بلا نتيجة.

الإشارة الرابعة

الحماس عند التشكيل، والصمت عند المتابعة

اللجنة التي تستقطب الانتباه عند إعلانها ثم تختفي من الإعلام، غالبًا وُلدت لإنتاج مشهد أكثر مما وُلدت لإنتاج قرار.

المهمة هنا إعادة تعريف وظيفة اللجان من دون إلغائها. كل لجنة تُشكَل في مؤسسة حكومية تحتاج ثلاثة شروط:

  1. صاحب قرار وحيد مُسمى. لا تُشكَل لجنة دون تعيين شخص يحمل القرار النهائي، ويوقعه باسمه، ويُحاسَب عليه وحده. اللجنة تستشير؛ هو يُقرر.
  2. سقف زمني ملزم. كل لجنة لها تاريخ انتهاء محدد. إن لم تُنتج قرارًا في مهلتها، تُحل تلقائيًا، ويعود الملف إلى جهة القرار الأصلية. بهذا تُسترجع وظيفة اللجنة من «التأجيل» إلى «الإنضاج المؤقت».
  3. حماية مؤسسية للخطأ المعقول. أهم وأصعب شرط. لن يُبادر أحد ما لم يعلم أن الخطأ المعقول لن يُحوَل إلى ملف عقوبة. كل نظام إداري يستهدف تخفيف هوس اللجان يجب أن يُرسخ مبدأ أن الفشل الذكي ليس جريمة، وأن المحاسبة تشمل النية والمنهج قبل أن تقتصر على النتيجة وحدها.

حين يكون للقرار اسم، ومهلة، وحماية من العقاب الجائر، تعود اللجنة إلى دورها الأصلي: تنفذ القرار بدلًا من أن تُخفيه.

خامسًا · شاركنا في الغرفة سؤال واحد قبل تشكيل اللجنة التالية

بعيدًا عن المصباح واللجنة ومحاضر الاجتماعات، يبقى لدينا سؤال بسيط: ما الذي نحاول حمايته حين نُكثر من المشاركين في القرار؟

في اجتماعك القادم، انتبه للحظة التي يُقال فيها: «دعونا نُشكل لجنة». ثم اسأل نفسك:

اختبار اللجنة · سؤالان قبل التشكيل

السؤال الأول: هل تُشكَل هذه اللجنة لتُنجِز، أم لتُؤجل لحظة الحسم؟

السؤال الثاني: ماذا كنا سنفعل لو لم يكن خيار تشكيل اللجنة متاحًا؟

إذا كان الجواب الثاني «كنا سنُقرر في عشر دقائق»، فاعلم أن اللجنة شُكِلت للحماية قبل أن تُشكَل للقرار، ولتحفظ من يُفترض أنه صاحب القرار.

جذر كارثة تشالنجر يسكن بعيدًا عن جهل المهندسين. وقعت لأن النظام كان مُصمَمًا بطريقة يتهرب فيها الجميع من ثمن قول «لا». معظم قراراتنا الحكومية تنأى عن كوارث بحجم تشالنجر، لكنها تُنتج، يومًا بعد يوم، تآكلًا في قدرة الدولة على الحركة. الفرق بين المصباح المعطل وبين السابع والعشرين من يناير 1986 فرق في الحجم وحده. لكن المنطق واحد.

شارك هذا المقال