أولًا · مدخل حين تكون الأرقام في أفضل حالاتها، ويموت المرضى
بين عامي 2005 و2009، كان مستشفى ستافوردشاير الحكومي في وسط إنجلترا يُحقق أرقامًا ممتازة. الميزانية متوازنة. أوقات الانتظار في قسم الطوارئ ضمن الحد المستهدف (أربع ساعات). مؤشرات الأداء المالي تتحسن. المجلس الإداري كان يسعى للحصول على لقب «مؤسسة وقفية مستقلة»، وهو لقب تستحقه المستشفيات الأقوى ماليًا وأداءً في الخدمة الصحية الوطنية البريطانية.
خلف تلك الأرقام، كان يموت مرضى في غرفهم دون رعاية. كبار السن يُتركون في فراش ملوث لساعات. أجراس الاستغاثة لا يُستجاب لها. مرضى الأقسام الحرجة يُؤخَر نقلهم من الإسعاف إلى الداخل حتى لا يُبدأ احتساب «الأربع ساعات» عليهم في الطوارئ. أحد المرضى توفي بعد أن سقط ثلاث مرات من سريره. آخرون تُركوا بلا ماء.
في مارس 2009، نشرت لجنة الرعاية الصحية البريطانية تقريرًا اعتبرته الصحافة البريطانية من أسوأ الفضائح الصحية في تاريخ البلاد. بين 400 و1200 مريض ماتوا وفق تقديرات بعض التحليلات الإحصائية بفارق يزيد عن معدل الوفيات المتوقَع لمستشفى بهذا الحجم. الحكومة فتحت تحقيقًا عامًا استمر أربع سنوات، وكلف دافع الضرائب البريطاني 13 مليون جنيه إسترليني، واستمع إلى أكثر من 160 شاهدًا، وراجع مليون صفحة من الوثائق.
خلاصة تقرير فرانسيس الصادر في فبراير 2013، في أربع مجلدات و1800 صفحة و290 توصية، تُلخَص في جملة واحدة: كان مجلس إدارة المستشفى مهووسًا بتحقيق المستهدفات المالية ومؤشرات الوصول، إلى الحد الذي جعله يتجاهل التحذيرات السريرية وصرخات المرضى وذويهم.
كانت الأرقام الخضراء تتحرك على الشاشة بانتظام. وتحتها كانت تموت إنسانية كاملة.
في بلداننا العربية، لا نحتاج فضيحة بهذا الحجم لنتعرف إلى النمط. كثير من اجتماعاتنا الحكومية الأسبوعية تجري بهذه الروح بالضبط: قاعة، شاشة ضخمة، داشبورد بألوان منسقة، أعمدة بيانية تُشير إلى الأخضر، ورئيس جلسة يُؤكد أن المسار في الاتجاه الصحيح. ثم يخرج الحضور بتكليفات جديدة لتحسين دقة البيانات بدلًا من تحسين الواقع.
ثانيًا · تسمية الفيل عبادة المؤشر
الفيل في الغرفة هو الظن بأن المؤشر يمنح صورة كاملة عن الواقع، والاعتقاد بأن ما لا يُقاس، لا وجود له.
هذا الوهم يُحول الداشبورد من أداة مساعدة إلى سلطة معرفية مطلقة، حيث تُعامَل الأرقام والرسوم البيانية بوصفها بديلًا نهائيًا عن الحقيقة الميدانية. العطب يبدأ حين تكتفي الدولة بالرقم وحده. فعندما تقتنع الدولة بأن الشاشة هي الواقع، تبدأ بالاستغناء عن الحس السياسي والاشتباك المباشر مع الناس لصالح الراحة التقنية.
أُسمي هذا النمط من الإدارة: عبادة المؤشر. وهو أن يتحول الرقم من مجرد أداة إشارة إلى مرجع وحيد للحقيقة، وأن يُعامَل ما لا يُقاس كأنه غير موجود أو غير مهم.
المؤشر بطبيعته لا يقيس إلا ما هو قابل للعد. أما جوهر الدولة، من ثقة، وشرعية، وقلق اجتماعي، ومعاناة يومية، فهو مفاصل حية تسقط دائمًا من حسابات الجداول الرقمية.
ثالثًا · منطق العطب لماذا تنهار الأرقام حين تُصبح غايات؟
في عام 1975، كتب الاقتصادي البريطاني تشارلز غودهارت (Charles Goodhart) ملاحظة في ورقة حول السياسة النقدية البريطانية، ستُصبح لاحقًا واحدة من أهم القوانين السلوكية في إدارة المؤسسات. الصياغة التي انتشرت بها في الأدبيات الإدارية جاءت بعد أكثر من عشرين عامًا، من عالمة الأنثروبولوجيا البريطانية مارلين ستراذرن (Marilyn Strathern)، في ورقتها الصادرة عام 1997:
حين يصبح المقياس هدفًا، فإنه يكف عن كونه مقياسًا جيدًا.
قانون غودهارت (Goodhart's Law)، بصياغة ستراذرن، 1997
منطق العطب هنا بسيط، وله جذر في طبيعة البشر: الإنسان يسعى إلى تحسين المعيار الذي يُحاسَب عليه، لا بالضرورة الواقع الذي يفترض أن المعيار يعكسه. فما إن يُعلَن المؤشر حكمًا نهائيًا على الأداء، حتى تتحول طاقة المسؤول والموظف من معالجة الواقع إلى تغذية النظام بما يضمن اللون الأخضر على الشاشة.
ينقلب المؤشر هكذا من أداة للفهم إلى هدف في ذاته. يبدأ العمل على تحسين الرقم لأن القيادة ستُحاسَب عليه. تُؤجَل الملفات الثقيلة كي لا تُفسد المعدلات. يُعاد تعريف الواقع ليتوافق مع الشروط الفنية للمؤشر. في النهاية تظهر التقارير خضراء، بينما يغلي الواقع بالأحمر.
ثلاث حالات موثقة
في بريطانيا، حين فرضت الحكومة مستهدفًا بأن يُستقبَل 98٪ من مرضى الطوارئ خلال أربع ساعات، طورت المستشفيات طريقة للالتفاف: إبقاء المرضى في سيارات الإسعاف خارج المبنى. هناك لا يُحتسَب الوقت رسميًا. الهدف تحقق على الورق، والمريض ظل ينتظر كما كان.
في جائحة كوفيد-19، أعلنت الحكومة البريطانية هدف إجراء 100 ألف اختبار يوميًا. حين اقتربت المواعيد، تغير تعريف «الاختبار» بصمت من «اختبار أُجري» إلى «اختبار جرى شحنه». في آخر يوم من المهلة، شُحنت عشرات الآلاف من الاختبارات إلى عناوين المواطنين قبل الغروب، وأُعلن الرقم مُحقَقًا.
في مستشفى ستافوردشاير، كان التخفيض المستمر في أعداد الممرضين وسيلة لتحقيق التوازن المالي المطلوب للحصول على لقب «مؤسسة وقفية». التوازن تحقق. اللقب مُنح في فبراير 2008. وبعد نحو عام، كانت صور الإهمال تغزو الصحف الوطنية.
الاقتصاد السياسي للوهم
لو كان العطب مجرد خطأ معرفي، لأمكن تصحيحه بتدريب أفضل أو مؤشرات أذكى. لكنه أعمق من ذلك. فثمة مستفيدون من بقاء الداشبورد مرجعًا أعلى من الواقع:
- القيادة السياسية تستفيد، لأن الداشبورد يمنحها إثباتًا بصريًا قابلًا للعرض في المؤتمرات على أنها تُحقق إنجازات قابلة للقياس.
- الإدارة الوسطى تستفيد، لأن الرقم يحميها من المساءلة حين يكون أخضر، حتى لو كان الواقع يغلي.
- الاستشاريون وشركات الحوكمة يستفيدون، لأن بناء الداشبوردات وتحديثها صار صناعة قائمة بذاتها.
ولأن الأطراف الثلاثة تستفيد من بقاء الوهم، فإن النظام يتمنع عن تصحيح نفسه. تظل الأسئلة الحقيقية عن الأثر مؤجلة إلى «مرحلة تطوير المؤشرات»، وهي مرحلة لا تصل أبدًا.
رابعًا · ما يجب الالتفات إليه المؤشر في خدمة القرار
المؤشرات ضرورة؛ الدولة الحديثة لا تُدار بلا قياس. المطلوب تمييز حاد بين المؤشر بوصفه بوصلة، والمؤشر بوصفه بديلًا عن الواقع.
المؤشر يُناقِش نفسه
حين يدور الاجتماع حول «كيف نحسن المؤشر؟» بدل «هل يقيس المؤشر ما يهم؟»، تأكد أن عبادة المؤشر قد بدأت.
الرقم يرتفع والناس يشكون
حين تتصاعد مؤشرات الرضا في التقارير، وتتصاعد الشكاوى على قنوات التواصل، فاعرف أن المؤشر ينظر إلى جانب واحد من الواقع.
غياب المؤشر السلبي
كل داشبورد سليم يتضمن مؤشرات مقلقة إلى جانب مؤشرات مطمئنة. فإن كانت كل الأعمدة خضراء، فأنت أمام داشبورد للعرض فَقَدَ وظيفته التشخيصية.
المسافة بين الاجتماع والميدان
حين يُدار القطاع من غرفة اجتماعات دون زيارات ميدانية دورية، تصبح الشاشة هي الواقع الوحيد المتاح للقائد.
لذلك، كل مؤشر يحتاج إلى ثلاثة شروط دفاعية:
- مؤشر مضاد يكشف التلاعب. إن كان المؤشر «وقت الانتظار في الطوارئ»، فالمؤشر المضاد هو «وقت الانتظار قبل دخول الطوارئ». أي أن كل مؤشر رئيسي يرافقه مؤشر يقيس الحدود التي قد يُدفَع إليها ليبدو أخضر.
- جهة قياس مستقلة عن جهة التنفيذ. حين تقيس الجهة نفسها أداءها، ينقلب المؤشر إلى مرآة تعكس ما تريد أن تراه. لذلك لا بد من جهة تقييم مخوَلة بالدخول الميداني، تتجاوز مهمتها استلام التقارير.
- آلية استماع ميدانية موازية. لقاءات دورية مع المستفيدين، شكاوى مسموعة، زيارات غير معلنة. شبكة أمان تسير بموازاة الرقم، تكشف حين يبدأ الرقم في الكذب.
قبل أن تُصدِق ما تقوله الشاشة، اسأل: من الذي استفاد من أن تقول الشاشة هذا؟
خامسًا · شاركنا في الغرفة تحدٍ بسيط
ابحث في قطاعك عن مؤشر واحد لا يظهر في أي داشبورد، لكنه يقول الكثير عن جودة عملك:
- عدد الموظفين الذين يغادرون قبل نهاية الدوام بحثًا عن عمل إضافي
- طول الطابور قبل ساعة من بدء الخدمة
- عدد المرات التي يطلب فيها المواطن «واسطة» لإتمام معاملة روتينية
- نبرة أصوات المراجعين في الممرات حين يظنون أن أحدًا لا يسمعهم
أدرج هذا المؤشر في تقريرك التالي، ولو بسطر واحد. ستعرف حينها الفرق بين قياس الواقع، وقياس ما يريحنا.