المسارات الكتابات مساحات الحوار والعمل عني تواصل
الإدارة العامة · فيل في الغرفة

الإدارة الكرنفالية

عن فخ الإنجاز اللامع وضريبة غياب الأثر: لماذا يزداد حنق المواطن رغم كثرة الاحتفالات، وكيف يتقدم منطق العرض على منطق الأثر في القطاع العام؟

وقت القراءة · 10 دقائق عدد نشرة «فيل في الغرفة»

أولًا · مدخل قرى بوتيمكين: حين يبني المسؤول ديكورًا للإمبراطورة

في صيف عام 1787، أعلنت الإمبراطورة كاترين الكبرى نيتها القيام برحلة استعراضية إلى شبه جزيرة القرم، التي كانت روسيا قد ضمتها قبل أربع سنوات من الإمبراطورية العثمانية. كانت الرحلة سياسية بامتياز: استعراض قوة أمام السفراء الأوروبيين، ورسالة للدولة العثمانية، وفرصة لوزيرها ومستشارها الأقوى غريغوري بوتيمكين ليثبت نجاح مشروعه في استعمار الأراضي الجديدة.

مشكلة بوتيمكين كانت بسيطة: المشروع لم ينجح. الميزانيات تأخرت، والاستيطان لم يكتمل، والقرى على طول نهر الدنيبر كانت في حالة يُرثى لها. فبماذا استقبل الإمبراطورة؟

الرواية المنقولة تقول إن بوتيمكين بنى قرى كاملة من الواجهات الخشبية المطلية، ونقل إليها فلاحين من الداخل الروسي ليقفوا على الطرق مبتسمين بثياب جديدة، وحشد قطعان الماشية التي كانت تُنقل ليلًا من قرية إلى التالية لتظهر أمام الإمبراطورة مرارًا. المؤرخون المعاصرون يُشيرون إلى أن القصة بُولِغ فيها، وأن بعض تفاصيلها قد تكون دعاية ساكسونية معادية. لكن الرواية، سواء صحت حرفيًا أم لا، صارت رمزًا اصطلاحيًا دخل قواميس اللغات الأوروبية: قرى بوتيمكين، أي الواجهة المبهرة التي تُخفي خراب الداخل.

كان بوتيمكين يعمل داخل نظام علمه أن من يُحسن العرض يُرفَع قبل من يُحسن البناء.

بين قرى بوتيمكين الخشبية على نهر الدنيبر، ومذكرات التفاهم التي تُوقَع في عواصمنا العربية مع كاميرات كثيرة وتصفيق مهيب، مسافة ليست كبيرة. فرقٌ في الحجم، بينما المنطق واحد. في كلتيهما، يُنتَج مشهد مُقنع لغياب مُزعج. وفي كلتيهما، يُكافَأ صانع المشهد، ويُعاقَب من يُذكر بما وراءه.

في كثير من الأجهزة الحكومية العربية، يعيش المسؤول يومه ويمارس عمله داخل هذا المنطق بالضبط. ففي الصباح توقيع مذكرة تفاهم مع جهة دولية، منصة أنيقة، كلمات مدروسة، كاميرات، تصفيق، صور تنتشر. وفي الأيام التالية تُدرج المبادرة ضمن قائمة «النجاحات السريعة»، ويتكرر اسمها في أكثر من تقرير. لكن بعد أسابيع، الصور تبقى، والتصريحات تبقى، ولا يظهر أثرٌ واحد خارج الكاميرات: لم تتحسن معاملة، ولم تُختصر خطوة، ولم يشعر مواطن أن يومه صار أسهل. ومع كل احتفال جديد، يتراكم لدى الناس شعور صامت بأن أمور البلد لا تسير في الاتجاه الذي توحي به الصور.

ثانيًا · تسمية الفيل الإدارة الكرنفالية

الفيل في الغرفة هو تفضيل الفعاليات التي تجلب اللقطة على المشاريع التي تُنتج أثرًا، ومكافأة الأنشطة التي يمكن تسويقها الآن على الإصلاحات البنيوية التي يحتاج نضجها إلى سنوات. هذا النمط من العمل العام أُسميه: الإدارة الكرنفالية.

أقصد بالإدارة الكرنفالية: نمط من إدارة القطاع العام يتقدم فيه منطق العرض على منطق الأثر، حيث تُستبدل الإصلاحات البنيوية بصناعة مشهد كثيف من الإنجاز اللامع، يقوم على الإعلانات والفعاليات والنتائج السريعة عالية الظهور، من غير أن يُنتج قيمة عامة تؤثر في حياة الناس.

في أدبيات السياسة العامة، تناولت دراسات متراكمة هذا النمط تحت أسماء متعددة. فقد أسس عالم السياسة الأمريكي موراي إدلمان، في كتابه المرجعي «The Symbolic Uses of Politics» الصادر عام 1964، دراسة الرمزية السياسية بوصفها أداة تُستخدم لإشباع القلق العام دون إشباع الحاجة العامة. ثم جاءت الباحثة إيزا دينغ، في كتابها «The Performative State» (مطبعة جامعة كورنيل، 2022)، لتُوسع الفكرة بعد دراسة ميدانية عميقة في الصين، وتصوغ ما أسمته الحكم الاستعراضي (Performative Governance): أن يلجأ البيروقراطيون إلى «التوظيف المسرحي للغة والرموز والإيماءات لإنتاج انطباع بالحكم الجيد»، خصوصًا حين يعجزون عن تحقيقه فعليًا.

الإدارة الكرنفالية، بهذا المعنى، ليست عطبًا عربيًا خاصًا. هي ظاهرة بشرية مُوثقة في الأنظمة البيروقراطية الحديثة. لكنها تتضخم في السياقات الانتقالية، لأن البنية فيها ضعيفة، والضغط على القيادة عالٍ، ومسافة الثقة بين الناس والدولة متآكلة أصلًا.

الخلاصة المحورية

نحن لا نخدع الناس بالاحتفالات. نحن نخدع أنفسنا حين نعتبرها عملًا.

ثالثًا · منطق العطب لماذا تُنتج الأنظمة كرنفالاتها؟

الإدارة الكرنفالية لا تنشأ من فراغ، ولا من سوء نية. هي استجابة عقلانية تمامًا لضغوط حقيقية، تعمل على ثلاث طبقات متشابكة.

1. ضغط الوقت مقابل بطء الأثر

الإصلاح البنيوي يحتاج سنوات. المواطن يحتاج شهورًا. الإعلام يحتاج أسابيع. المعارضة تحتاج أيامًا. هذه الأزمنة الأربعة لا تتوافق أبدًا. في مرحلة بناء الدولة، أو إعادة بنائها، يُطلب من الإدارة أن تُطمئن الناس بسرعة، أن تُظهر أن شيئًا يحدث الآن. ومع غياب أدوات قياس الأثر طويل الأمد، يصبح الإنجاز القابل للتصوير هو العملة الأسهل. فالحدث الرمزي يسد الفجوة الزمنية بين الضغط الحاضر ونضج الإصلاح المؤجَل.

2. غياب قياس حقيقي للأثر

ما يُقاس، يُدار. وما لا يُقاس، يُهمَل. في بيئة مؤسسية لا تملك أدوات رصد للأثر المتوسط والبعيد، تتحول المؤشرات تلقائيًا إلى ما يمكن عده الآن: عدد المبادرات المُطلَقة، عدد مذكرات التفاهم المُوقَعة، عدد الفعاليات المنفَذة. كلها تُحصي النشاط، وتصمت عن النتيجة. ومع الوقت، يتعلم المسؤول أن الترقي المهني يأتي من تضخيم عداد النشاط أكثر مما يأتي من حقيقة ما خلفه.

3. اقتصاد سياسي يُكافئ المشهد

الطبقة الأعمق، والأصعب علاجًا، هي أن النظام المؤسسي نفسه مُعاد تصميمه ليُكافئ الكرنفال. الوزير الذي يُطلق عشر مبادرات يظهر أكثر نشاطًا من الوزير الذي يُصلح قطاعًا بنيويًا ببطء. الاستشاري الذي يُنظم ورشة لامعة يُحتفى به أكثر من الخبير الذي يُقدم تقريرًا تشخيصيًا غير مُريح. ووسائل الإعلام مُهيأة لتغطية الحدث أكثر من قدرتها على ملاحقة الأثر. والجهات المانحة تطلب «نتائج قابلة للإبلاغ» في ستة أشهر أو أقل.

في هذا النظام، تُكافَأ السرعة التي تُرى، وتمر السرعة التي تُغير الاتجاه دون التفات.

ولهذا السبب بالذات، يظل لوم المسؤول الفرد ناقصًا. فمعظم المسؤولين، بمن فيهم أصحاب النية الحسنة، يُعاد تشكيل سلوكهم داخل هذا النظام بصمت. النظام يختار منهم ما يُشبهه.

رابعًا · ما يجب الالتفات إليه التمييز الدقيق بين الانتصار السريع والكرنفال

قبل المضي، يلزم تمييز حاسم، وإلا وقع المقال في ظلم واسع بحق من يبذلون جهدًا حقيقيًا. فهناك انتصارات سريعة استراتيجية تُعبر عن إصلاح حقيقي جارٍ، وتبني ثقة المواطن بمسار طويل. وهناك إصلاحات كرنفالية تُنتج مشهدًا وتُفرغ الصندوق. الفرق بينهما بنيوي. الأول متصل بمسار أعمق يسبقه ويتلوه، والثاني يظهر قائمًا بذاته ثم يذبل.

النمط الأول

الانتصار السريع الاستراتيجي

إنجاز مرئي يحدث ضمن خطة متسقة، يُعلن للناس أن التغيير بدأ فعليًا. يُكمِل بنية أعمق تُبنى بالتوازي، ويُقاس لاحقًا بأثره على حياتهم.

لتمييز الأول عن الثاني، راقب هذه الإشارات الأربع:

الإشارة الأولى

اتصاله بمسار واضح

الانتصار الحقيقي جزء من خطة ممتدة. إن لم يكن لهذا الإصلاح ما قبله وما بعده، فهو غالبًا قائم بذاته لأجل الإعلان.

الإشارة الثانية

الأثر قبل النشاط

المشروع الحقيقي يحمل في وثيقة إطلاقه مؤشر أثر محدد (ما الذي سيتغير في حياة الناس؟). المشروع الكرنفالي يحمل مؤشرات نشاط (كم مبادرة؟ كم ورشة؟).

الإشارة الثالثة

نسبة التغطية إلى المتابعة

تابع الفجوة بين لحظة الإعلان وما يأتي بعدها. المشروع الحقيقي يحتاج تغطية أقل عند الإطلاق ومتابعة أطول في السنة التالية. الكرنفال يعكس هذه النسبة.

الإشارة الرابعة

القدرة على الاحتمال دون إعلام

اسأل: هل يستمر هذا المشروع لو انقطعت التغطية الإعلامية عنه ستة أشهر؟ إن كان جوابك «لا»، فالمشروع يعيش على التغطية، وينتهي بانتهائها.

الخروج من الإدارة الكرنفالية لا يعني التخلي عن الانتصارات السريعة. فالدولة تحتاج أن تُظهر للناس أنها تعمل، خصوصًا في مراحل البناء. المطلوب هو إخضاع كل إصلاح سريع لثلاثة شروط قبل الإطلاق:

  1. الاتساق مع المسار. أن يكون كل حدث مُعلن محطة ضمن خريطة طريق مُوثَقة، تسبقها محطات وتتلوها أخرى. إذا لم يكن المسار مكتوبًا قبل الحدث، فالحدث هنا يُخفي غياب المسار أكثر مما يُشير إليه.
  2. اختبار الأثر المؤجَل. أن يُرافق كل إعلان تعريف واضح للأثر المُنتظَر خلال 12 شهرًا، مع آلية قياس لاحقة مُلزمة. الجهة التي تُعلن ولا تتحمل مسؤولية القياس لاحقًا، تُعلن لأجل الإعلان.
  3. الاستعداد للصمت. أن يُترك للمشروع الحقيقي هامش كافٍ من العمل بلا إعلام. فالمشاريع البنيوية تُنضج غالبًا في الظل. إن لم يحتمل المسؤول صمتًا ستة أشهر، فاعرف أن ما يحتاجه هو الكاميرا قبل المشروع نفسه.

يكمن الخطر حين يصبح سؤال «كم أطلقنا؟» أهم من سؤال «إلى أين نمضي؟».

خامسًا · شاركنا في الغرفة لو توقف التصفيق، ماذا يبقى؟

تأمل في مشاريعك الحالية

السؤال الأول: لو تأملت المشاريع التي يُصفَق لها في قطاعك هذا العام، كم منها أحدث أثرًا ملموسًا في حياة المواطن؟ وكم منها بقي مشهدًا وانطفأ؟

السؤال الثاني: أي إصلاح جارٍ عندك الآن لا يستقطب الكاميرات، لكنه يُغير شيئًا حقيقيًا؟ وهل تحميه من ضغط «الظهور» الذي يحاصره؟

الإجابات الصادقة لا تُقال في البيانات الرسمية. لكنها تُقال في ميزانيات العام المقبل.

قرى بوتيمكين لم تُسقِط الإمبراطورية الروسية في ذلك الصيف. لكنها تركت أثرًا أعمق بكثير: منطقًا إداريًا تعلم أن الشكل يكفي. ومنذ ذلك الوقت، تحاول كل بيروقراطية حديثة، في الشرق والغرب، أن تتخلص من هذا الظل. معظمها يفشل. بعضها ينجح حين يبني أولًا نظامًا يُكافِئ الأثر، ويقاوم إغراء العرض. البقية تبقى تبني قراها الخشبية على ضفاف أنهارها الخاصة، حتى تمر إمبراطورة لا تأتي.

شارك هذا المقال