المسارات الكتابات مساحات الحوار والعمل عني تواصل
الإدارة العامة · فيل في الغرفة

سماسرة الكود

عن التحول الرقمي حين يُنقل العطب البيروقراطي إلى الشاشة دون أن يُعالَج: كيف تولد طبقة جديدة من الوسطاء بعد الرقمنة، ولماذا تفشل الحكومة الإلكترونية في سياقات هي الأحوج إليها؟

وقت القراءة · 10 دقائق عدد نشرة فيل في الغرفة

أولًا · مدخل بوابة بملياري دولار عجزت عن تسجيل ستة أشخاص

في صباح الأول من أكتوبر 2013، ضغط أربعة ملايين أمريكي زر الدخول إلى بوابة Healthcare.gov. كانت البوابة حلمًا رسميًا عمره ثلاث سنوات: واجهة إلكترونية أنيقة، تسمح للمواطن أن يختار تأمينه الصحي بضغطات قليلة، بعد أن وقع أوباما قانون الرعاية الصحية الشهير. اثنان وعشرون شهرًا من العمل، ستون عقدًا موزعة على ثلاث وثلاثين شركة، وميزانية ارتفعت من 93 مليون دولار في التخطيط الأولي إلى ما يقارب المليار وسبعمئة مليون حسب تقرير المفتش العام لاحقًا.

في ذلك اليوم، تمكن ستة أشخاص فقط من استكمال التسجيل.

انهارت البوابة في أول ساعتين. ومن نجا من الانهيار الأول اصطدم بأخطاء في تحميل الصفحات، أو بحلقات تسجيل لا تنتهي، أو ببيانات تُنقل ناقصة إلى شركات التأمين. بعد أسبوع كامل، لم يتجاوز عدد المسجلين واحدًا بالمئة من الزائرين. وقد أظهرت اختبارات الضغط التي أجراها المقاولون قبل الإطلاق بيوم واحد أن البوابة تتباطأ عند 1100 مستخدم متزامن فقط، في حين كان المتوقَع بين خمسين وستين ألفًا. أصدر مكتب المحاسبة الحكومي (GAO) لاحقًا تقريرًا قاسيًا عن قصور التخطيط والرقابة على العقود في الجهاز المشرف. قبلها بأشهر، كانت شركة ماكنزي قد سلمت الإدارة تقريرًا تحذيريًا صريحًا، لم يحظَ بالاهتمام الكافي.

حين يُبنى نظام رقمي فوق بيروقراطية لا تعمل، يكفي الضغط على الزر الأول ليظهر العطب كله مكشوفًا.

قصة Healthcare.gov تعلمت منها الولايات المتحدة درسًا أساسيًا: التكنولوجيا لا تُصلح البيروقراطية المعطوبة. هي تُضخمها وتُسرعها وتجعلها أكثر وضوحًا. غير أن الدرس نفسه، في سياقاتنا العربية، يتخذ شكلًا آخر. عندنا، البوابات تعمل نصف عمل على نصف مستخدم، من دون أن تنهار في الدقائق الأولى. والنصف الباقي يبحث عن شخص آخر يفعل له ما كان يُفترض أن يفعله بنفسه. هنا تولد طبقة جديدة من الوسطاء، لم تكن موجودة قبل الرقمنة: سماسرة الكود.

ثانيًا · تسمية الفيل أتمتة العطب البيروقراطي

الفيل في الغرفة هذه المرة هو أننا، حين نُطلق منصة رقمية فوق إجراء بيروقراطي معطوب، نظن أننا أصلحنا الإجراء. والواقع أن ما فعلناه هو فقط نقل العطب من الطاولة إلى الشاشة، ومن الأدراج إلى السيرفرات. أُسمي هذا النمط من التحول الرقمي: أتمتة العطب البيروقراطي.

أقصد به: عملية نقل الإجراءات الحكومية إلى الشكل الرقمي دون إعادة تصميمها من جذورها، بما يُحول البيروقراطية الورقية إلى بيروقراطية إلكترونية بكل عطبها الأصلي، مع ميزة إضافية لها وحدها: القدرة على مضاعفة الأثر وتعقيد التشخيص.

هذه الظاهرة تُنتجها سلسلة من الافتراضات المعقولة كلٌ منها على حدة، من غير أن تقف خلفها نية سيئة. غير أنها مجتمعةً تُورث نظامًا غريبًا. تفترض القيادة أن الرقمنة قيمة بذاتها، وأنها ستعالج الفساد والبطء من تلقاء نفسها. تفترض الجهة المانحة أن المؤشر الكمي (عدد الخدمات المرقمنة) أسهل للقياس من مؤشر الأثر (هل تحسنت معاملة المواطن فعلًا؟). ويفترض المورد التقني أن مهمته تنتهي عند تسليم منصة وظيفية، من دون أن تمتد إلى التأكد من أن الناس يستخدمونها فعلًا. في نهاية هذه السلسلة، تظهر منصة حكومية جديدة، تُحتفل بها القيادة، وتُقدَم في المؤتمرات بوصفها إنجازًا، ثم لا يستخدمها المواطن لأنها لا تعمل، فيعود ليبحث عمن يفعل من أجله ما كان يُفترض أن يفعله بنفسه.

عند هذه النقطة بالتحديد، يدخل سمسار الكود الصورة. يعمل من خارج الجهاز الرسمي، ومع ذلك يعرف مداخل المنصة أكثر من صانعيها. يأخذ رسومًا مقابل خدمة يُفترض أنها مجانية، ويُنجز في ساعة ما يقضي المواطن أسبوعًا يحاول إنجازه. إنه كائن هجين، نصفه تقني ونصفه بيروقراطي، ازدهر بسبب الرقمنة نفسها. قبل الرقمنة كان هناك سماسرة معاملات يعرفون الموظف. الآن صار هناك سماسرة يعرفون النظام. وفي الحالتين، المواطن هو من يدفع الثمن.

الخلاصة المحورية

الرقمنة فوق بيروقراطية معطوبة لا تُنتج دولة حديثة. تُنتج عطبًا أسرع، بأقنعة أنيقة.

ثالثًا · منطق العطب لماذا تكاد الرقمنة تفشل عندما نحتاجها؟

الباحث البريطاني ريتشارد هيكس، الأستاذ في جامعة مانشستر والمرجع المعتمد في دراسة الحكومة الرقمية بالدول النامية، نشر في 2003 ورقة صارت مرجعًا معلومًا. فحص فيها مشاريع الحكومة الإلكترونية في الدول النامية، وخلص إلى رقم صادم: خمسة وثلاثون بالمئة منها فشل تام (المشروع لم يُنفَذ أو نُفذ وتوقف فورًا)، وخمسون بالمئة فشل جزئي (الأهداف الأساسية لم تتحقق)، وخمسة عشر بالمئة فقط نجحت. بعبارة أخرى، خمسة من كل ستة مشاريع تحول رقمي حكومي في بلداننا تذهب إلى المقبرة.

اقترح هيكس لتفسير هذه النسبة نموذجًا أسماه فجوة التصميم والواقع (Design-Reality Gap). الفكرة بسيطة: كل مشروع رقمي يُبنى على افتراضات ضمنية حول الواقع الذي سيعمل فيه (كفاءة الموظفين، نضج الإجراءات، ثقافة المواطن، جودة البنية التحتية). وكلما اتسعت الفجوة بين تلك الافتراضات والواقع الفعلي، اقترب المشروع من الفشل. وفي السياقات الانتقالية تحديدًا، هذه الفجوة تكون في أوسع أشكالها، لأن الواقع نفسه هش ومتحرك.

بعد هيكس بسنوات، صاغ الباحثان الهولنديان Bovens و Zouridis توصيفًا أدق للظاهرة، يستأنف مفهوم بيروقراطية المستوى الأول لمايكل ليبسكي ويُحدثه. تحدث الباحثان عن انتقال الدولة عبر ثلاث طبقات: من بيروقراطية الشباك (Street-Level)، حيث يلتقي الموظف بالمواطن وجهًا لوجه، إلى بيروقراطية الشاشة (Screen-Level)، حيث يتم اللقاء عبر حاسوب الموظف، ثم إلى بيروقراطية النظام (System-Level)، حيث تحل الخوارزميات محل الموظف تمامًا. في كل مرحلة، تُنقل السلطة التقديرية من مكان إلى آخر، بدلًا من أن تُعالَج. وحين يحدث هذا الانتقال دون إعادة تصميم حقيقية، يحتفظ النظام الجديد بكل معضلات القديم، ويُضيف إليها معضلات جديدة من عنده.

في عواصمنا العربية، تتداخل هذه الطبقات عادة في وقت واحد. شباك قديم لم يُلغَ، بجانب شاشة جديدة لا تعمل كما ينبغي، وخوارزميات لم يُفهم دورها بعد. تحت هذا التركيب الغريب، تنمو ثلاث طبقات من العطب.

1. الرقمنة بوصفها طقسًا احتفاليًا

كثيرًا ما تُقدَم الرقمنة في الخطاب الحكومي على أنها هدف في ذاته. يُحتفل بعدد الخدمات المرقمنة، ويُقاس التقدم بعدد المنصات المُطلقة، كأن مجرد الانتقال إلى الشاشة حلٌ لأي مشكلة. والنتيجة أن المؤسسة تُنفق مئات الملايين على واجهات رقمية، بينما يظل الإجراء خلف الواجهة هو الإجراء نفسه الذي كانت تعمل به في الزمن الورقي. تحولت الرقمنة إلى طقس احتفالي، أكثر منها أداة لحل مشكلة محددة.

2. الفجوة بين المصمم والمستخدم

البوابات الحكومية عندنا تُصمَم في الغالب بمعزل عن مستخدميها. مهندسو المشروع من طبقة اجتماعية محددة، يستخدمون الإنترنت يوميًا، ويجيدون قراءة الإنجليزية التقنية، ويفهمون منطق النماذج الإلكترونية. المستخدم النهائي قد يكون مواطنًا في بيئة هشة، بعيدًا عن هذه الشروط كلها. عند إطلاق المنصة، تظهر الفجوة فورًا، لكن بدل أن تُعاد هندستها حول المستخدم الفعلي، يُقال للمواطن إن المشكلة في قلة وعيه. فيبحث عن وسيط يفعل له ما يعجز عن فعله، ويُضاف إلى اقتصاد البطء اقتصادُ الرقمنة.

3. الانقطاع بين الواجهة والمعاملة

ولعل الطبقة الأخطر وظيفيًا في هذه الظاهرة هي أن المنصة الرقمية كثيرًا ما تُطلَق دون ربط حقيقي مع ما خلفها. تملأ الطلب إلكترونيًا، ويُطلب منك الحضور شخصيًا لاحقًا. ترفع الملف كاملًا، ثم تكتشف أن الموظف الذي يستلمه سيطبعه ورقيًا ويبدأ من جديد. في مثل هذه الحال، الرقمنة طبقة تُضاف فوق البيروقراطية القديمة، من غير أن تحل محلها. هنا يتضاعف الجهد بدل أن يُختصَر، وينشأ ما يمكن تسميته ازدواج المعاملة: مرة رقمية ومرة ورقية، دون أن تُغني إحداهما عن الأخرى.

حيثما تُطلق منصة دون إعادة تصميم الإجراء خلفها، يكبر السمسار. كل واجهة لامعة لا تعمل فعلًا، هي إعلان وظيفة جديد في سوق الوساطة.

رابعًا · ما يجب الالتفات إليه اختبار المنصة الحقيقي

التحول الرقمي الحكومي، حين يُفهم فهمًا صحيحًا، واحد من أقوى أدوات الإصلاح المؤسسي في عصرنا. تجارب إستونيا وسنغافورة والمملكة المتحدة في هذا المجال تُقدم أدلة حقيقية على أن الرقمنة تستطيع أن تقلب معادلة الخدمة العامة، حين تُبنى على أساس صحيح. المفتاح أن نُدرك شيئًا واحدًا: الرقمنة تأتي بعد الإصلاح ثمرةً له، حتى حين تتزامن معه في الظاهر. وهذا المبدأ البسيط هو ما يُميز التحول الرقمي الذي يُغير الدولة من ذلك الذي يُعقدها.

لتمييز الأول من الثاني داخل مؤسستك، راقب هذه الإشارات الأربع:

الإشارة الأولى

اختبار المواطن الوحيد

اسأل نفسك: لو حاول مواطن بمفرده إنجاز معاملة كاملة عبر المنصة، دون مساعدة من موظف أو سمسار، فكم احتمال نجاحه؟ إذا كان الجواب أقل من 70٪، فاعلم أن المنصة صُمِمت لتظهر في الخطاب الرسمي أكثر مما صُمِمت لتعمل.

الإشارة الثانية

ازدواج المعاملة

متى طُلب من المواطن أن يُنجز خطوة رقمية وخطوة ورقية للمعاملة ذاتها، فاعلم أن الرقمنة أُضيفت إلى الإجراء من دون أن تحل مكانه. الرقمنة الحقيقية تُلغي ما قبلها، وتحل محله.

الإشارة الثالثة

ظهور سمسار الكود

حين تلاحظ نمو سوق من المكاتب الخاصة التي تُنجز لك المعاملة عبر المنصة الحكومية مقابل رسم، اعلم أن المنصة أعلنت عن فشلها دون أن تدري. سمسار الكود هو ثمرة منصة لا تعمل.

الإشارة الرابعة

مؤشرات الإطلاق مقابل مؤشرات الاستخدام

طالب جهاتك بمؤشرين متمايزين في كل تقرير: عدد الخدمات المُطلقة رقميًا، ومعدل الإتمام الفعلي لكل خدمة من قِبَل مواطن مستقل. الفجوة بين الرقمين تكشف ما لا يكشفه أي خطاب رسمي.

الخروج من فخ أتمتة العطب يحتاج إلى مقاربة بمستويات ثلاثة، تعمل معًا:

  1. إعادة تصميم الإجراء قبل رقمنته. أي مشروع تحول رقمي ينبغي أن يسبقه سؤال مُلزم: ما الخطوات التي يمكن أن تُحذف من الإجراء نفسه قبل رقمنته؟ الإجراء الذي يُرقمَن دون حذف، يأخذ إلى الشاشة كامل تعقيده. وفي أحيان كثيرة، يكون الحل الصحيح هو إلغاء الخدمة نفسها أو دمجها مع أخرى قبل التفكير في رقمنتها.
  2. اختبار الاستخدام قبل الاحتفال. قبل إطلاق أي منصة، يُعرَض نموذجها التجريبي على عينة من المستخدمين الحقيقيين، من مختلف الفئات (كبار السن، سكان الأرياف، أصحاب الاحتياجات الخاصة). يُشترط لإطلاق المنصة أن يُنجز 80٪ من هذه العينة المعاملة دون مساعدة. ومن دون هذا الشرط، يتحول الإطلاق إلى فعل احتفالي يغيب عنه معنى الخدمة.
  3. قياس الرقمنة بأثرها قبل تعدادها. يُلزَم كل مشروع رقمي بتحديد مؤشر أثر واحد على حياة المواطن (تقليل وقت المعاملة، تقليل عدد الزيارات إلى المكتب، تقليل كلفة الخدمة)، يُقاس بعد ستة أشهر من الإطلاق. المنصات التي تفشل في تقديم أثر قابل للقياس، تُعاد هندستها أو تُغلَق. الخدمة الرقمية التي لا تُنتج أثرًا هي عبء على الخزينة قبل أن تكون استثمارًا فيها.

خامسًا · شاركنا في الغرفة ثلاثة أسئلة قبل إطلاق المنصة التالية

قبل توقيع العقد الرقمي القادم

قبل أن تُوقع على عقد التحول الرقمي التالي، اطرح هذه الأسئلة الثلاثة، وانتظر الإجابات الصادقة قبل أن توقع:

  1. ما الإجراء الذي سيختفي بعد إطلاق هذه المنصة؟ إن كان لا شيء سيختفي، فالمنصة تُضاف إلى البيروقراطية من دون أن تحل محلها.
  2. من هو المستخدم الأقل كفاءة تقنية الذي اختُبرت المنصة معه؟ إن لم تكن تعرف الإجابة، فالمنصة صُممت على مقاس من يُتقن التكنولوجيا، وتُركت خلفها الفئة التي تحتاجها أكثر.
  3. كيف سنعرف بعد ستة أشهر أن سماسرة الكود لم يكبروا؟ إن لم يكن لديك مؤشر حقيقي لهذا، فالسماسرة قادمون حتمًا، وسوف تعرفهم حين يصبحون جزءًا من المشهد.

ما حدث لبوابة Healthcare.gov في أكتوبر 2013 يستحق التأمل مرة بعد أخرى. حكومة تملك الأموال والكفاءات والشركات العالمية، لم تستطع أن تُطلق بوابة إلكترونية واحدة تعمل. والدرس الذي أخذته الولايات المتحدة من تلك التجربة كان إداريًا في جوهره أكثر من كونه تقنيًا: أنشأت لاحقًا جهازًا متخصصًا هو U.S. Digital Service، مهمته أن يكون حارسًا داخليًا يقف بين أي مشروع حكومي رقمي والإطلاق، ليتأكد أن ما يُطلَق يعمل فعلًا. نحن في البيئات العربية نُطلق بلا حارس، ونُعلن بلا اختبار، ونحتفل بلا قياس.

يبقى السؤال الأهم: من الذي ينبغي أن يكون الحارس في بيئتنا نحن؟ الإجابة، كما في كل مفصل حاكم، تبدأ من داخل المؤسسة نفسها قبل أن تأتي من خارجها. أما إذا بقينا نُرقمن دون أن نُصلح، فستظل بواباتنا تعمل نصف عمل على نصف مواطن. والنصف الآخر سيبقى يبحث عمن يفعل له ما عجزت الشاشة عن فعله. هؤلاء، في كل مرة، نُسميهم باسم جديد. ومن تحت كل اسم، الاسم الأصلي واحد.

شارك هذا المقال