أولًا · مدخل نابليون والدرس الذي دُفع ثمنه بخمسمئة ألف رجل
في صيف عام 1812، عبر نابليون بونابرت نهر نيمن على رأس أضخم جيش عرفته أوروبا حتى ذلك الحين: نحو ستمئة ألف جندي، جمعهم من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبولندا والدول الحليفة. كانت خطته، في ظاهرها، واضحة. أراد أن يُجبر القيصر الروسي ألكسندر الأول على الالتزام بالحصار الاقتصادي ضد بريطانيا. غير أن ما بدا هدفًا واحدًا، تحول في ذهنه سريعًا إلى ثلاثة أهداف متراكبة: تدمير الجيش الروسي في معركة فاصلة، واحتلال موسكو العاصمة الرمزية، وإرغام القيصر على التفاوض. ولم يستطع أن يحسم أيها أولًا.
فر الجيش الروسي إلى عمق البلاد، فحرم نابليون من المعركة الكبرى التي كان يطاردها. سقطت موسكو بيد الفرنسيين في سبتمبر، غير أن ألكسندر رفض التفاوض. ومضى نابليون يُراوح بين الأهداف الثلاثة، وكل يوم يقترب فيه من هدف، يبتعد عن الآخر. في التاسع عشر من أكتوبر، حين قرر الانسحاب أخيرًا، كانت سلسلة إمداده قد تمزقت، وكان جيشه قد اشتعل بالتيفوس والجوع، ولم يلبث الشتاء أن حل وهو في طريق العودة. عاد إلى باريس في ديسمبر تاركًا خلفه ما يقارب خمسمئة ألف قتيل ومفقود ومأسور. من الجيش الكبير الذي عبر نهر نيمن، لم يعد إلى الحدود إلا أقل من مئة ألف رجل.
كان بين ضباط الجيش الروسي الذين شهدوا هذه الحملة ضابط بروسي شاب، التحق بخدمة القيصر ألكسندر، اسمه كارل فون كلاوزفيتز. بعد عشرين سنة، صدر كتابه عن الحرب (Vom Kriege) بعد وفاته، وفيه وصف حملة 1812 بأنها هزيمة على مقياس هائل وحاسم. ومن تأمله الطويل في تلك التجربة، طرح كلاوزفيتز أحد أهم مفاهيم الفكر الاستراتيجي الحديث، وأسماه بالألمانية Schwerpunkt، الذي تُرجم إلى الإنجليزية بعد ذلك إلى Center of Gravity، أي مركز الثقل.
في كل صراع، هناك نقطة يتجمع عندها ثقل الخصم. ضربةٌ تصيب هذه النقطة تكفي؛ وضرباتٌ كثيرة لا تصيبها تُفقد القوة بلا جدوى.
وقع نابليون في روسيا ضحية خطأ يتجاوز حجم جيشه وشجاعة جنوده. الخطأ كان في موضع آخر: أنه لم يُقرر أين مركز الثقل الذي ينبغي ضربه. بدد ستمئة ألف رجل على ثلاثة أهداف يطارد كلًا منها بدوره، فسقط كلها معًا. وكلاوزفيتز، الذي عاش الحدث من داخل الخيمة الروسية، كتب بعدها القاعدة التي ما تزال تُعلَم في كل مدرسة استراتيجية: من طارد كل شيء، أفلت منه كل شيء.
بين حملة نابليون على روسيا، وميزانية وزارة عربية في بيئة انتقالية، مسافة طويلة. غير أن المنطق واحد. حين تتحول كل الملفات في غرفة الوزير إلى ملفات حمراء، وكل المشاريع إلى مشاريع استراتيجية، وكل الاجتماعات إلى اجتماعات طارئة، يكون الوزير قد ارتكب الخطأ ذاته الذي ارتكبه الإمبراطور قبل قرنين: وزع ثقله على كل شيء، فلم يعد يملك ثقلًا كافيًا لأي شيء.
ثانيًا · تقطير المفصل غياب مركز الثقل في القرار الحكومي
الفيل في الغرفة هذه المرة ملف مختلف. هو غياب مركز الثقل في القرار الحكومي. أقصد بهذا الغياب: حين تفشل القيادة في تحديد الملف الواحد الذي يُعاد ترتيب كل شيء آخر حوله، فيصبح كل ملف استراتيجيًا بالاسم، دون أن يكون أي ملف استراتيجيًا بالفعل. هذه هي الحالة التي تعنيها الجملة المحورية: إذا كان كل شيء عاجلًا، فلا شيء عاجل.
الفكرة التي طرحها كلاوزفيتز في كتابه، والتي صاغها لاحقًا المنظر العسكري أنطوليو إيشيفاريا بصياغة مركزة، تُحدد مركز الثقل بأنه النقطة التي يلتئم حولها كل شيء آخر، فتفصله عن الاختزال الشائع إلى نقطة ضعف الخصم أو نقطة قوته. يكفي أن تنهار هذه النقطة، حتى ينهار ما هو متماسك حولها. ومن حذف مركز الثقل من ذهنه، حذف الفارق بين الأولويات والضجيج.
في القرار الحكومي، ينتقل مركز الثقل من ميدان عسكري إلى سؤال سياسي مباشر: ما الذي لو لم نُعالجه هذا العام، لضاع كل شيء آخر معه؟ أو بصياغة معكوسة: ما الذي لو أحسنا التعامل معه، لفتح الباب أمام حسم عشرة ملفات أخرى؟
هذا السؤال هو الذي يُميز القائد الاستراتيجي من المدير التنفيذي. المدير يرتب الأولويات داخل سنة. أما القائد فيُقرر أي معركة يخوضها أصلًا. غير أن كثيرًا من القيادات في البيئات الانتقالية تتعامل مع السؤال الاستراتيجي على أنه سؤال إداري؛ تملأ الجداول وتوزع المهام، وتنسى أن الفرق بين الترتيب والتقطير هو ذاته الفرق بين مدير جيد وقائد نادر.
حين تتساوى الأولويات، تنعدم الأولوية. ومركز الثقل يُكتشف بشجاعة الحذف، قبل أن يُكتشف بدقة التخطيط.
ثالثًا · منطق العطب لماذا تغيب لحظة التقطير؟
غياب مركز الثقل ظاهرة متكررة بانتظام ملفت في عواصمنا العربية، ولها أسباب بنيوية يمكن تفكيكها في ثلاث طبقات مترابطة.
1. الضغط السياسي الذي يرفض الحذف
أول ثمن يدفعه القائد الذي يُحدد مركز ثقل واحدًا هو ثمن سياسي مباشر. من لم يُدرَج ملفه في رأس القائمة، يشعر بأنه أُقصي. تبعًا لذلك، تتحول القائمة إلى وثيقة دبلوماسية داخلية بدلًا من أن تكون أداة قرار. كل وزير يريد أن يُرى ملفه أولًا. كل حزب يضغط ليظهر مطلبه في السطر الأعلى. كل جهة مانحة تضع شرطها في قمة الأجندة. في مثل هذه الحال، يكتشف القائد أن كلفة الحذف أعلى من كلفة الإضافة، فيضيف بدل أن يحذف. ويمر عام كامل دون أن يحسم أي ملف.
2. هشاشة البنى المؤسسية التي تُفرغ التقطير
حتى لو نجح القائد في تحديد مركز الثقل، يبقى التنفيذ رهينًا ببنية مؤسسية تستطيع إعادة ترتيب مواردها حول نقطة الارتكاز. هذه البنية غائبة في معظم البيئات الانتقالية. المؤسسات تفتقر إلى أدوات تُعيد توزيع الميزانية بسرعة، وإلى قدرة على نقل الكفاءات بين القطاعات، وإلى آلية تُعيد تصميم الإجراءات حول الأولوية الجديدة. غير أن مركز الثقل بلا هذه البنية يتحول إلى شعار. يُعلَن في الخطب، ويُهمَل في الإدارة، فيخسر مصداقيته في دورتين أو ثلاث.
3. الخلط بين التخطيط والتقطير
الطبقة الأعمق في المشكلة هي خلل في الفهم ذاته لمعنى الاستراتيجية. كثير من الخطط تُبنى بوصفها جداول: قوائم مرتبة من المبادرات والأهداف والمؤشرات. تبعًا لذلك، يُختزل العمل الاستراتيجي في تسجيل كل ما يجب فعله، والاهتمام بالتوازن بين القطاعات. أما السؤال المحوري، وهو: لو لم نفعل إلا شيئًا واحدًا هذا العام، فماذا نفعل؟ فنادرًا ما يُطرح. والفرق بين الخطة والتقطير هنا جوهري: الخطة تُبرز كل شيء، والتقطير يُخفي معظم الأشياء ليُبرز نقطة واحدة تُعيد ترتيب البقية.
الخطة التي تُبرز كل شيء، تُخفي مركز الثقل. والخطة التي تُقطر، تُظهره.
حين تجتمع هذه الطبقات الثلاث معًا، يحدث ما أسميه وهم الإنجاز المتوازي: شعور القيادة بأنها تتحرك في كل الاتجاهات، في وقت تراوح فيه فعليًا في مكانها. مجلس الوزراء يجتمع كل أسبوع، والملفات كلها مفتوحة، والاجتماعات تمتلئ بالأرقام والتقارير. ومع ذلك، بعد ستة أشهر، يعجز أي مراقب عن الإشارة بإصبعه إلى ملف واحد قد أُنجز. السبب هنا يتعلق بغياب التقطير الذي يُحول العمل إلى حركة، أكثر مما يتعلق بنقص العمل نفسه.
رابعًا · ما يجب الالتفات إليه شجاعة الحذف
التعامل مع غياب مركز الثقل يتعدى البعد التقني والحسابي. هو في جوهره مسألة شجاعة. القائد الذي يُحدد مركز ثقل واحدًا يُعلن ضمنيًا أنه مستعد لدفع ثمن سياسي فوري في مقابل مكسب استراتيجي مؤجَل. هذه الصفقة الذهنية هي الفاصل الحقيقي بين من يصنع الدولة ومن يُديرها.
لاختبار ما إذا كانت لديك فعلًا لحظة تقطير داخل قيادتك، راقب هذه الإشارات الأربع:
اختبار الملف الواحد
اسأل قيادتك: لو أُتيح لنا ملف واحد نُنجزه هذا العام، ماذا يكون؟ إذا جاءتك خمس إجابات مختلفة من خمسة مسؤولين، تعرف أن مركز الثقل غائب.
اختبار إعادة الترتيب
هل تُعاد الميزانية والكفاءات والوقت الإداري حول ما يُعلَن بوصفه أولوية؟ إذا بقي التوزيع على حاله، فالأولوية المعلنة تفتقر إلى ثقل فعلي.
اختبار الحذف
ما الذي حُذف من خطة هذا العام كي يدخل مركز الثقل؟ خطة تدخل فيها أولويات دون أن يخرج منها شيء، تظل قائمة أمنيات تعجز عن التحول إلى خريطة قرار.
اختبار الأسبوع الأخير
استعد أجندة اجتماعاتك في الأسبوع الأخير. هل تدور حول الملف الذي حددته مركزًا للثقل، أم حول ما يفرضه الضجيج اليومي؟ أجندتك الفعلية تفضحك أكثر مما تفعل خطتك المكتوبة.
الخروج من فخ الأولويات المتساوية يحتاج إلى ثلاث خطوات عملية تستطيع أي قيادة جادة أن تعتمدها:
- حذف قبل الإضافة. في كل اجتماع استراتيجي، يُقدَم الملف الجديد مع جواب واضح عن السؤال: ما الذي سيخرج من الخطة كي يدخل؟ أي ملف يُضاف يرافقه ملف آخر يُحذف. هذا وحده يفرض التقطير على الجميع، بمن فيهم القائد نفسه.
- اختبار التفريع. قبل اعتماد أي أولوية كمركز ثقل، يُطرح عليها سؤال واحد: لو أنجزنا هذه الأولوية فقط، ماذا يتفرع عنها؟ الأولويات الحقيقية تفتح الباب لحسم أولويات أخرى. أما التي تبقى معزولة، فهي أولويات تكتيكية تتنكر في ثياب استراتيجية.
- ساعة الشجاعة. خصص لقيادتك جلسة سنوية مدتها ساعة واحدة، مغلقة، بلا عرض تقديمي، وبلا محضر تفصيلي. سؤالها الوحيد: ما الملف الذي لو فشلنا فيه، لانهار كل شيء آخر؟ الإجابة الجماعية الصادقة عن هذا السؤال تستحق عامًا كاملًا من العمل.
خامسًا · شاركنا في الغرفة أربعة أسئلة قبل ميزانية العام القادم
كتب كلاوزفيتز قاعدته بعد أن شاهد خمسمئة ألف رجل يسقطون في ثلوج روسيا. نحن لسنا مضطرين لدفع ثمن مماثل كي نتعلمها. أمامك أربعة أسئلة قبل إقرار خطة العام القادم:
- ما مركز الثقل؟ لو وجب عليك اختيار ملف واحد فقط، فأيها تختار، ولماذا؟
- ما التضحية المقبولة؟ ما الذي أنت مستعد لتأجيله أو تأخيره، في مقابل حسم مركز الثقل؟
- ما مؤشر التقطير؟ كيف ستعرف بعد ستة أشهر أنك ركزت فعلًا على جوهر الملف، متجاوزًا ظلاله؟
- ما ثمن الخطأ في التقطير؟ لو تبين لاحقًا أنك اخترت مركز ثقل خاطئًا، ما السلوك المؤسسي الذي يُتيح لك تصحيحه دون أن ينهار كل شيء آخر؟
كان نابليون يملك من الموارد ما يكفي لاحتلال عواصم كثيرة، لولا أنه أراد أن يحتلها كلها في وقت واحد. وحكوماتنا في البيئات الانتقالية تملك من الطاقة ما يكفي لحسم ملف واحد كل عام، فتختار عوضًا عن ذلك أن تفتح عشرة ملفات كي تُغلقها جميعًا بنصف عمر. في هذه المقايضة، تخسر الدولة أثمن ما تملك: قدرتها على الحركة المركزة التي يُحسم بها التحول.
مركز الثقل يسكن بعيدًا عن جدول الأعمال المُعلَن. يظهر في شجاعة القائد حين يقول لمعظم الحاضرين: ليس الآن. هاتان الكلمتان البسيطتان، حين تُقالان بحق وفي موضعهما، تعادلان خططًا استراتيجية كاملة.