المقدمة
أسست الورقة الأولى إطار فحص قابلية النقل المؤسسي، الإطار التحليلي الذي ينبغي أن تمر عبره كل تجربة إنجاز حكومي قبل الحكم على قابليتها للنقل إلى البيئات العربية الانتقالية. وطبقت الورقة الثانية هذا الإطار على الحالة المرجعية الأولى في أدبيات الإنجاز الحكومي: وحدة الإنجاز في مكتب رئيس الوزراء البريطاني (PMDU، 2001–2005)، وخرجت بنتيجة مركزية: أن الفجوة بين السياق البريطاني والسياقات العربية الانتقالية فجوة نوع لا درجة، وأن أغلب عناصر التجربة البريطانية تقع في فئة يُترجم أو يُؤجَل.
غير أن المعيار المرجعي الأول لا يكفي وحده. فالتجربة البريطانية، على أهميتها التأسيسية، نشأت في بيئة غربية ناضجة مؤسسياً، ذات بيروقراطية عريقة ومستقرة ونظام بيانات متماسك وتفويض سياسي استثنائي. ولذلك فإن الحكم المستخلص منها يظل ناقصاً ما لم يُختبر الإطار على تجربة مختلفة نوعياً في سياقها: تجربة غير غربية، في دولة متوسطة الدخل، ذات ديناميات سياسية واقتصاد سياسي مختلفين جذرياً. وبهذا المنطق تتجه هذه الورقة إلى التجربة الماليزية مع وحدة إدارة الأداء والإنجاز (PEMANDU) ومنهجية النتائج الكبيرة السريعة (BFR) التي عملت بين 2009 و2017 تحت رعاية رئيس الوزراء نجيب رزاق.
السؤال المركزي: ماذا يقول الإطار التأسيسي حين يُطبَق على تجربة إنجاز نشأت خارج العالم الغربي، في دولة تنموية متوسطة الدخل، قدمت نفسها بوصفها نموذجاً قابلاً للتصدير إلى الدول النامية والانتقالية؟ وبعبارة أدق: هل يتغير الحكم حين ينتقل الإطار من سياق دولة مستقرة تعالج فجوة تنفيذ (بريطانيا) إلى سياق دولة تسعى إلى التحول الاقتصادي الشامل تحت ضغط فخ الدخل المتوسط (ماليزيا)؟
تنبيه منهجي
هذه الورقة دراسة تطبيقية، لا تقييماً شاملاً للأداء الاقتصادي الماليزي، ولا مراجعة لبرنامج التحول الوطني بكل مكوناته. هي تطبيق منضبط للإطار التأسيسي على تجربة إنجاز محددة (PEMANDU/BFR)، بوصفها الحالة الثانية في سلسلة تراكمية تبني معياراً مرجعياً ثانياً يُضاف إلى المعيار البريطاني الأول.
لماذا هذه التجربة تحديداً؟
حين تُذكر تجارب الإنجاز الحكومي في السياقات غير الغربية، يبرز اسم إدريس جالا ومنهجية BFR ووحدة PEMANDU الماليزية بوصفها التجربة الأكثر طموحاً في الحجم والأوسع في محاولات التصدير. قدمت نفسها منذ تأسيسها 2009 بوصفها البديل التنموي لوحدة بلير: وحدة أكبر حجماً (تجاوزت 130 موظفاً مقابل 40 في PMDU)، وأوسع نطاقاً (ستة مجالات نتائج وطنية NKRAs عند الإطلاق بلغت ثمانية بحلول 2014، واثنا عشر مجالاً اقتصادياً NKEAs)، وأكثر جرأة في الوعد (مضاعفة الدخل القومي للفرد بحلول 2020)، وأشد حرصاً على التصدير (أكثر من 30 دولة عبر خمس قارات، من تنزانيا إلى عُمان إلى نيجيريا)1.
ولاختيار هذه التجربة بوصفها الحالة الثانية في السلسلة أربعة مسوغات منهجية:
أولاً، أنها التجربة غير الغربية الأكثر توثيقاً في أدبيات وحدات الإنجاز. أصدر البنك الدولي 2017 تقريراً تفصيلياً عنها بعنوان Driving Performance from the Center، وسبق ذلك دراسة تحليلية معمقة أعدها Charles Sabel وLuke Jordan للبنك الدولي (2015)2، إضافة إلى تقارير مؤسسات مستقلة كمركز الأثر العام (Centre for Public Impact)، وتقييمات لنقل المنهجية ذاتها إلى سياقات أخرى، كتقييم معهد التنمية الألماني لنسخة BFR في تنزانيا3.
ثانياً، أنها نشأت في سياق يختلف نوعياً عن السياق البريطاني. فماليزيا دولة متوسطة الدخل، ذات بيروقراطية أقل عراقة، وبنية سياسية تقوم على ائتلاف إثني هش يحكم منذ الاستقلال، وتعاني من فخ الدخل المتوسط. ولذلك فإن فحصها يكشف ما لا يكشفه فحص التجربة البريطانية وحدها.
ثالثاً، أنها التجربة الأكثر نشاطاً في تصدير نفسها إلى دول نامية وانتقالية. فبعد حل PEMANDU رسمياً 2017 ونقل مهامها إلى وحدة الإنجاز في الخدمة المدنية (CSDU)، تحول فريقها إلى شركة استشارية خاصة باسم PEMANDU Associates، وواصل تسويق منهجية BFR للحكومات حول العالم. هذا يعني أن ما يُصدَّر اليوم ليس تجربة حية تعمل داخل حكومة، وإنما سردية لاحقة أعاد أصحابها بناءها وتنقيحها بعد انتهاء التجربة الأصلية.
رابعاً، وهو المسوغ الأكثر كاشفية: أن هذه التجربة ارتبطت ارتباطاً عضوياً برئيس وزراء أُدين لاحقاً بالفساد في واحدة من أكبر فضائح نهب المال العام في التاريخ الحديث. فنجيب رزاق الذي أسس PEMANDU 2009 وجعلها أداة لبرنامج التحول الوطني (NTP)، هو نفسه من أسس في العام ذاته صندوق 1MDB الذي سُرق منه ما يُقدر بـ 4.5 مليار دولار وفق تحقيقات وزارة العدل الأمريكية، وأودع منها، بحسب تحقيقات صحيفة وول ستريت جورنال، نحو 700 مليون دولار في حساباته الشخصية. أُدين نجيب في قضية SRC عام 2020 وبدأ تنفيذ حكم سجنه 2022، ثم أُدين في القضية الرئيسية لنهب 1MDB في ديسمبر 2025 بالسجن 15 عاماً وغرامة تناهز 3 مليارات دولار4.
سؤال جذري لا يجوز إغفاله
حين يكون الراعي السياسي لمشروع الإنجاز متورطاً في مشروع نهب مؤسسي موازٍ، فإن ذلك يثير سؤالاً حول وحدة الإنجاز وهل كان جزء من وظيفة PEMANDU إنتاج سردية إنجاز تحمي الراعي السياسي من المساءلة وتمنحه غطاءً من الشرعية الأدائية في وقت كان يُفرَغ فيه المال العام؟ سؤال لا يمكن للورقة أن تحسمه، لكنه سؤال لا يجوز تجاهله في أي فحص جاد لهذه التجربة، خصوصاً حين يُراد تصديرها إلى بيئات انتقالية تعيش هي نفسها أسئلة الشرعية والمساءلة والشفافية.
ولعل أبلغ ما يكشف هشاشة الاستدامة المؤسسية لهذه التجربة أن ماليزيا نفسها لم تبلغ هدف الدخل المرتفع الذي وعدت به PEMANDU بحلول 2020. أعلن مهاتير محمد رسمياً 2019 فشل رؤية 2020 (Wawasan 2020) في تحقيق أهدافها5، وانخفض الدخل القومي الإجمالي للفرد بالدولار بدل أن يتضاعف. ويطرح هذا سؤالاً مهماً: هل أنجزت PEMANDU فعلاً، أم أنجزت مؤشرات (KPIs) دون أن تُحدث التحول الهيكلي الذي وعدت به؟
كيف ستُقرأ الحالة الماليزية؟
تُقرأ الحالة الماليزية عبر إطار فحص قابلية النقل المؤسسي الذي أسسته الورقة الأولى وطُبق في الثانية، بخطواته الأربع: تفكيك التجربة، ثم فحص شروط العبور، ثم بناء الحكم، ثم الاستخلاص وإعادة التركيب. وتعمل داخل هذا المسار خمس أدوات يبني بعضها على مخرج ما قبله: التصنيف المفاهيمي الرباعي عدسة تشخيصية تميز أنماط التعامل مع النماذج (الاستنساخ المؤسسي، الترجمة السياقية، التأجيل المشروط، الرفض الواعي)، وشبكة الفحص بطبقتيها التي تصف الفجوة بين السياقين عبر السؤال السابق والأبعاد البنيوية التسعة، وبوابة الحكم عتبة الفرز التي تُختم بها خطوة الفحص بمعاييرها الخمسة، وبروتوكول إصدار الحكم الذي يبني حكماً معللاً لكل وحدة، والمصفوفة الرباعية التي تعرض ذلك الحكم في صورته النهائية ضمن الفئات الأربع (يُنقل، يُترجم، يُؤجَل، يُرفض). والإطار لا يثبت صلاحية النموذج ولا يتنبأ بنتائج نقله، وإنما ينظم الحكم على قابليته للنقل ويجعل أسبابه قابلة للمراجعة؛ فما يقدمه حكم منهجي منظم (structured judgment) لا آلة قرار. والحكم يصدر على عناصر التجربة وحزمها المترابطة، لا على التجربة بوصفها كتلة واحدة.
من التفكيك إلى الاستخلاص
إطار فحص قابلية النقل المؤسسي مطبقاً على PEMANDU/BFR: أربع خطوات، لكل خطوة سؤالها الحاكم ومخرجها.
تفكيك التجربة
على ماذا نحكم؟ تفكيك PEMANDU/BFR إلى وحدات قابلة للحكم: عنصر مستقل وحزم مترابطة، مع تمييز الصلب من العرضي.
المخرج: ست وحدات حكم + جدول يميز الصلب من العرضيفحص شروط العبور
ما شروط عبور كل وحدة، وما مخاطره؟ شبكة الفحص تصف ولا تحكم: تقارن السياق الماليزي بالسياق السوري عبر السؤال السابق والأبعاد البنيوية التسعة.
بناء الحكم
ما الحكم الملائم لكل وحدة بعد فحصها؟ بروتوكول إصدار الحكم يبني حكماً معللاً، وتعرض المصفوفة الرباعية صورته النهائية.
المخرج: أربعة عشر حكماً معللاً: يُنقل، أو يُترجم، أو يُؤجَل، أو يُرفضالاستخلاص وإعادة التركيب
ما الذي يبقى صالحاً للبناء عليه؟ تحويل الأحكام إلى دروس ومبادئ، ومقارنتها بمصفوفة بريطانيا لاستخراج النمط البنيوي المتراكم.
المخرج: ستة دروس + سبعة مبادئ + قراءة متراكمةملاحظة على مصادر PEMANDU الذاتية
بعد حل PEMANDU 2017، أسس إدريس جالا وفريقه شركة PEMANDU Associates الاستشارية التي تواصل تسويق منهجية BFR عالمياً. ومنذ ذلك الحين تنتج هذه الشركة أدبيات ترويجية تعيد تقديم التجربة في صورة منقحة ومتسقة. هذه الورقة تتعامل مع هذه الأدبيات بالحذر المنهجي نفسه الذي طبقته ورقة بريطانيا على كتب باربر اللاحقة: فما ينشره أصحاب التجربة بعد انتهائها يمثل إعادة بناء تنظيرية (ex post rationalization) تنتج صورة أكثر تماسكاً واتساقاً مما كانت عليه التجربة في لحظتها الفعلية. وثمة فرق منهجي إضافي: بينما كان باربر باحثاً أكاديمياً قبل دخوله الحكومة، فإن إدريس جالا جاء من القطاع الخاص ولم يكن له إنتاج أكاديمي سابق، ولذلك فإن السردية اللاحقة لـ PEMANDU أقرب إلى خطاب تسويقي استشاري منها إلى تأمل نقدي.
ما المشكلة التي جاءت BFR لمعالجتها؟
وفقاً لمنطق الإطار التأسيسي، لا يجوز أن يبدأ تحليل أي تجربة إنجاز حكومي من وصف بنيتها الظاهرة. البداية الصحيحة هي من المشكلة التي صُممت لمعالجتها.
العطب الموثق
حين وصل نجيب رزاق إلى رئاسة الوزراء أبريل 2009، كانت ماليزيا تواجه مشكلة مركبة في ثلاث طبقات متداخلة:
الطبقة الأولى: فخ الدخل المتوسط وبطء التحول الهيكلي. منذ استقلالها 1957 حققت ماليزيا نتائج تنموية لافتة: ارتفع دخل الفرد من نحو 240 دولاراً 1962 إلى نحو 6,700 دولار 2009، وانخفض الفقر من 50% إلى أقل من 1%6. غير أن هذا المسار بدأ يفقد زخمه. تراجع متوسط نمو الناتج المحلي من 7.2% سنوياً في التسعينيات إلى 5.4% في العقد التالي7. ومع وصول نجيب، كان السؤال الأكثر تداولاً: كيف تتجاوز ماليزيا عتبة الدخل المتوسط الأعلى وتدخل نادي الدول ذات الدخل المرتفع؟
الطبقة الثانية: ضعف الثقة بالحكومة بعد انتخابات 2008. فقد التحالف الحاكم Barisan Nasional أغلبية الثلثين البرلمانية للمرة الأولى منذ 1969، وتراجعت حصته من الأصوات إلى نحو 51%. وقد وعد نجيب فور توليه برفع الكفاءة الحكومية وإظهار نتائج ملموسة قبل الانتخابات التالية المقررة 20138.
الطبقة الثالثة: ضعف القدرة التنفيذية للجهاز الحكومي. رغم وجود منظومة مؤسسية تخطيطية متراكمة، كانت هناك شكاوى مزمنة من ضعف التنسيق بين الوزارات وبطء التنفيذ.
الاستنتاج التحليلي
المشكلة التي استدعت إنشاء PEMANDU كانت من نوع مزدوج: تسريع جهاز قائم (شبيه بمشكلة بريطانيا) + تحول اقتصادي هيكلي (مشكلة تنموية مختلفة). والعالم الذي تتحرك فيه التجربة الماليزية يجمع بين عالم الإنجاز الإجرائي وعالم التحول الهيكلي معاً.
إطار 1 · تحديد عالم المشكلة الأصلية
تفكيك التجربة الماليزية: العناصر والحزم
تفكيك PEMANDU/BFR يقتضي الانطلاق من سؤال بنيوي: مم تألفت التجربة فعلياً حين انتقلت من لحظة التأسيس إلى لحظة التشغيل؟ التركيب الفعلي للتجربة كما تكشفه المصادر المستقلة يتألف من عنصر مستقل (الحامل المؤسسي) وأربع حزم متشابكة، تضاف إليها صياغة تصديرية لاحقة (المنهجية المعلنة).
الحزم الست لتجربة PEMANDU/BFR
انقر على أي حزمة لرؤية تفاصيلها التشغيلية ومستوى ترابطها وصلابتها.
ما الذي لم يثبت بما يكفي؟
ثمة عناصر ادعت السردية الرسمية أنها جزء من نجاح التجربة لكن الأدلة المتاحة لا تسندها بما يكفي. أولها تقييم الأثر: اعترف تقرير البنك الدولي صراحة بغياب تقييمات الأثر التي تربط النتائج بتدخلات PEMANDU تحديداً، وبأن (النقاش حول إسناد هذه النتائج إلى برنامج التحول الوطني أو إلى تدخلات أخرى قد يكون صعب الحسم). وثانيها التحول الهيكلي: الهدف الأكبر لـ ETP كان مضاعفة الدخل القومي من 6,700 إلى 15,000+ دولار بحلول 2020، تحقق منه نحو 10,570 دولاراً عام 2015 ثم تراجع، وحصة العمالة الماهرة في القوى العاملة ظلت راكدة حول الربع (25.5% عام 2014 وفق بيانات إدارة الإحصاء الماليزية DOSM)، أي بعيداً بمسافة كبيرة عن هدف ETP وNEM برفعها إلى 50% بحلول 2020. وعدد الوظائف عالية المهارة الجديدة المُستحدَثة تراجع فعلياً من 587 ألف وظيفة بين 2006-2010 إلى 501 ألف بين 2011-2015 رغم إطلاق ETP في 201011. وثالثها بناء قدرة الجهاز الحكومي: حين نُقلت المهام إلى CSDU عام 2017 تقلص الفريق من 133 إلى 45 ثم إلى 30 موظفاً، وتراجع الزخم تراجعاً واضحاً12.
تمييز الطبقات الثلاث
التفكيك السابق يكشف ثلاث طبقات متمايزة في تجربة PEMANDU:
ما يحمل قيمة، وما يعتمد على السياق، وما لا يدل على شيء
التمييز الذي يمنع خطأين متقابلين: التعبئة الكاملة، والرفض الكامل.
والتمييز بين هذه الطبقات حاسم لأنه يمنع خطأين: خطأ من يرى في PEMANDU منهجية قابلة للتعبئة والتصدير كاملةً (الخطوات الثماني وما عليك إلا اتباعها)، وخطأ من يرفضها كلها لأن راعيها السياسي أُدين ولأن ماليزيا لم تحقق هدف الدخل المرتفع. الحكم الرشيد يقع بين هذين الطرفين.
شبكة الفحص بطبقتيها: PEMANDU بين السياقين
إذا كان التفكيك قد كشف مم تتألف التجربة الماليزية فعلياً، فإن شبكة الفحص تسأل السؤال التالي: كيف كان كل عنصر وكل حزمة يعملان في البيئة التي وُلدا فيها؟ وكيف يبدوان في البيئة التي يُراد نقلهما إليها؟ وما الذي تقوله الفجوة بين السياقين عن إمكان النقل أو حدود الترجمة؟ والشبكة تصف ولا تحكم: تعرض الفجوة، ويُبنى الحكم بعدها في خطوته.
PEMANDU بين السياق الماليزي والسياق السوري
انقر على أي بُعد لكشف القراءتين ودلالة الفجوة. الأبعاد منظمة في طبقتين.
الطبقة الأولى · السؤال السابق
السياق الأصلي · ماليزيا
قرار سيادي داخلي صرف. لم تطلب جهة دولية إنشاء PEMANDU، ولم يكن هناك تمويل مشروط أو وصفة إصلاحية مفروضة. نجيب اتخذ القرار بمبادرة ذاتية، استقدم جالا من القطاع الخاص، وصمم البرنامج محلياً مع تأثر صريح بـ PMDU البريطانية. لاحقاً دعت PEMANDU خبراء البنك الدولي وصندوق النقد ومنظمة الشفافية الدولية إلى لجنة المراجعة السنوية، تدقيقاً طوعياً مختاراً، لا رقابة مفروضة.
السياق المستهدف · سورية
الطرف المقابل من طيف الطوعية. رُفع برنامج العقوبات الأمريكية بالأمر التنفيذي 14312 (30 يونيو 2025) ثم أُلغي قانون قيصر تشريعياً (18 ديسمبر 2025) مع بقاء تصنيف الدولة الراعية للإرهاب قائماً حتى منتصف 2026 ورقة ضغط أخيرة، غير أن الرفع نفسه مشروط: يقدم الرئيس الأمريكي شهادة كل 180 يوماً بأن دمشق تفي بمعايير محددة، منها تنفيذ اتفاق 10 مارس 2025 مع قسد. وتعمل الدولة في بيئة يتقاطع فيها التمويل الدولي المشروط مع الوصفات الجاهزة: سُددت متأخرات البنك الدولي بتمويل سعودي قطري (مايو 2025)، وتتابع منح مثل 20 مليون دولار للإدارة المالية العامة (مارس 2026) استعادة الوظائف الأساسية بدعم خارجي، ويتابع صندوق النقد الدولي أوضاع الحكومة عن كثب ببرنامج مكثف. كثيراً ما يدخل (نموذج الإنجاز) عبر بوابة التوصية الاستشارية أو شرط التمويل أو شهادة الامتثال13.
الطبقة الثانية · الأبعاد البنيوية
السياق الأصلي · ماليزيا
دولة قائمة منذ 1957، 50 عاماً من التراكم المؤسسي، نظام برلماني فيدرالي، ائتلاف حاكم Barisan Nasional يحكم بلا انقطاع. المعضلة بطء النمو وفخ الدخل المتوسط، لا أزمة وجودية للدولة. السلطة التنفيذية مستقرة وإن واجهت اهتزازاً بعد انتخابات 2008.
السياق المستهدف · سورية
دولة في طور إعادة التأسيس الدستوري والمؤسسي. الإعلان الدستوري 2025 يحدد مرحلة انتقالية خمس سنوات. السلطة التنفيذية تشتغل تحت أعباء التأسيس، والتشريعية وليدة تعقد أولى جلساتها. المعضلة تأسيسية بالأساس: بناء شرعية، توحيد جغرافيا، إعادة بناء جهاز. اكتملت السلطة التشريعية الانتقالية على مراحل: انتخاب غير مباشر في 5 أكتوبر 2025 مع تأجيل الاقتراع في محافظات الشمال الشرقي والسويداء، ثم انتخابات تكميلية في دوائر الحسكة وعين العرب بعد اتفاق الدمج (مايو 2026)، ثم تعيين الثلث المكمل بالمرسوم 143 ليكتمل المجلس بـ 210 أعضاء ويعقد جلسته الأولى في 6 يوليو 2026، ومقاعد السويداء الانتخابية ما تزال شاغرة. وتبقى المعضلة تأسيسية في جوهرها: من مهام المجلس نفسه تشكيل لجنة صياغة الدستور الدائم14.
السياق الأصلي · ماليزيا
خدمة مدنية عاملة بكوادر مدربة وإن بطيئة ومقاومة للتغيير. منظومة مؤسسية متراكمة تضم EPU وICU وMAMPU. توفر سوق عمل خاص غني سمح لـ PEMANDU باستقطاب كوادر برواتب تنافسية عبر SPV، مع الفجوة الثقافية المعروفة بين الموظفين الحكوميين والقادمين من القطاع الخاص.
السياق المستهدف · سورية
بيروقراطية متآكلة بفعل الحرب والتسييس ونزف الكفاءات. تقرير TRENDS وصف الجهاز بأنه (هاوٍ، يفتقر إلى التنسيق، ويعاني من ضعف هائل في الموارد البشرية). انعدام الثقة بين القدامى والجدد يعيق نقل المعرفة المؤسسية.
السياق الأصلي · ماليزيا
سلسلة قيادة مستقرة: رئيس وزراء يجمع السلطة التنفيذية والمالية، مجلس وزراء عامل، خزانة قوية، علاقات راسخة بين الحكومة الفيدرالية والولايات. PEMANDU عملت داخل هذا الترتيب القائم لا فوقه.
السياق المستهدف · سورية
مراكز قوى متعددة، صلاحيات متداخلة، مركز قرار في طور التثبيت. الإعلان الدستوري أعطى الرئاسة مركزاً تنفيذياً واضحاً، غير أن آليات التنسيق المؤسسية بين الرئاسة والوزارات شبه معدومة.
السياق الأصلي · ماليزيا
بنية بيانية عاملة وإن مع مشكلات إسناد وقياس أثر معروفة. مكتب إحصاء وطني فاعل، تقاليد تخطيطية خمسية مترسخة، قدرة على إنتاج بيانات قطاعية. غير أن البنك الدولي نبه إلى محدودية: (يمكنك أن تصيب الهدف لكنك تخطئ المعنى).
السياق المستهدف · سورية
انهيار شبه كامل في البنية البيانية، وإعادة بناء جارية من القاعدة: يعمل صندوق النقد ومركز مساعدته الفنية الإقليمي مع المكتب المركزي للإحصاء على تركيب سنة أساس جديدة للحسابات القومية (2023)، ومشاورات المادة الرابعة معلقة منذ 2009. وحتى اكتمال ذلك: لا تعريفات مستقرة للمؤشرات، ولا آليات تحقق، ولا قاعدة بيانات مركزية15.
السياق الأصلي · ماليزيا
حيز مالي معقول. خزانة قادرة على تمويل وحدة بـ 40 مليون رينغيت سنوياً. إيرادات نفطية وغازية جعلت ماليزيا قادرة على الاستثمار العام بدرجة لافتة. القدرة على ربط الأهداف بالتمويل قائمة وإن لم تكن ممنهجة كنظام PSAs البريطاني.
السياق المستهدف · سورية
حيز مالي بالغ الضيق رغم انفراجة التمويل: ناتج 2024 نحو 21.4 مليار دولار مقابل مسار متوقع قبل الحرب يناهز 67.5 ملياراً، ودخل الفرد القومي 830 دولاراً (2024) دون عتبة الدول منخفضة الدخل، وكلفة إعادة الإعمار تقدر بـ 216 مليار دولار أي نحو عشرة أضعاف الناتج. الموازنة تدار بانضباط قسري (فائض طفيف 2025)، وبدأ في 1 يناير 2026 استبدال الليرة الجديدة بحذف صفرين توحيداً للنقد وقطيعة مع رموز الحقبة السابقة، وتتوسع موازنة 2026 في الصحة والتعليم والأجور بإيرادات وصفها الصندوق بأنها طموحة، بينما تسند منح خارجية (كهرباء بـ 146 مليون دولار، ودعم سعودي قطري بـ 89 مليوناً) الوظائف الأساسية16.
السياق الأصلي · ماليزيا
دولة اتحادية ذات مركز قوي فعلياً. الحكومة الفيدرالية تسيطر على معظم القرارات الاستراتيجية والمالية. توتر محدود مع ولايات معارضة (Penang، Selangor، Kelantan) لكنه ضمن نظام مؤسسي ينظمه.
السياق المستهدف · سورية
علاقة المركز بالأطراف تتقدم بالقوة والاتفاق معاً وتبقى غير مكتملة. تعثر اتفاق 10 مارس 2025 مع قسد، فحسمته عملية عسكرية في يناير 2026 أعقبها وقف نار من 14 بنداً بوساطة أمريكية ثم اتفاق دمج شامل في 30 يناير، ودخلت قوى الأمن الحكومية الحسكة والقامشلي في فبراير، وارتفعت حصة الحكومة من إنتاج النفط من نحو 20% إلى 88%. وتبقى الإدارة الذاتية قائمة حتى منتصف 2026، وملف السويداء مفتوحاً على مطالب حكم ذاتي بعد أحداث يوليو 2025، مع وجود عسكري إسرائيلي في الجنوب لم تُفلح آلية التنسيق الثلاثية المنشأة في باريس (يناير 2026) في معالجته بعد، واقتصاديات حرب متراكمة17.
السياق الأصلي · ماليزيا
شفافية علنية عالية بُنيت عبر أيام مفتوحة وتقارير سنوية. ارتفعت ثقة المواطنين في مكافحة الفساد من 28% (2009) إلى 48% (2010) وفق Transparency International18. لكن هذه الشرعية تآكلت تدريجياً: شك في الأرقام، ثم فضيحة 1MDB، ثم سقوط الحكومة في انتخابات 2018.
السياق المستهدف · سورية
الشرعية قيد التفاوض المستمر. المجتمع خرج من حرب طاحنة وعقود من انعدام الثقة بالمؤسسات. هامش التسامح مع الإخفاق ضيق. UNDP يؤكد الحاجة إلى إعادة بناء (ناعمة) تركز على الحوكمة والمصالحة والتماسك الاجتماعي. وقد استُنزف جزء من هذا الرصيد مبكراً بأحداث الساحل (مارس 2025) والسويداء (يوليو 2025) بقتلاها الكثر19.
السياق الأصلي · ماليزيا
البُعد الأكثر كاشفية. حُلت PEMANDU رسمياً مارس 2017، بعد 8 سنوات من إنشائها. تقلص الفريق من 133 إلى 30 موظفاً. لم تحاول الحكومة الجديدة (بعد 2018) إحياءها. الفريق تحول إلى شركة استشارية خاصة تبيع المنهجية ذاتها التي طُورت بموارد الدولة. PEMANDU بُنيت فوق الجهاز الحكومي لا داخله، فحين رُفع غطاؤها السياسي لم تجد جذوراً تمسكها.
السياق المستهدف · سورية
تقلبات سياسية متوقعة أسرع وأعمق من ماليزيا. أي نموذج إنجاز يقوم على رعاية سياسية شخصية سيسقط مع أول تغيير في القيادة، والتغيير في البيئات الانتقالية أقرب وأسرع.
السياق الأصلي · ماليزيا
ثلاثة أثمان موثقة: إضعاف المنظومة القائمة (وحدات EPU/ICU/MAMPU شعرت أن إنشاء PEMANDU إعلان فشلها)، تشوه ثقافة القياس (الميل إلى ما يُعد بسهولة على حساب التحول العميق)، غطاء سياسي محتمل لراعيها في الوقت الذي كان 1MDB يُنهب في الظل.
السياق المستهدف · سورية
غياب صمامات الأمان المؤسسية والقضائية والإعلامية التي امتصت أثمان التجربة في ماليزيا. ما كان قابلاً للاحتمال هناك يصبح ضرراً بنيوياً مباشراً هنا.
إطار 2 · شروط العمل الأصلية التي اعتمدت عليها PEMANDU
بوابة الحكم: العناصر التي تحتمل العبور
إذا كان التفكيك قد كشف مم تتألف التجربة، وشبكة الفحص قد أظهرت كيف يبدو كل عنصر في سياقه الأصلي وفي السياق المستهدف، فإن كل ذلك يظل ناقصاً ما لم يتحول إلى حكم. غير أن الانتقال من الفحص إلى الحكم لا يكون مباشراً. فقبل أن يوضع العنصر داخل المصفوفة الرباعية، لا بد أن يمر عبر بوابة الحكم، وهي عتبة الفرز التي تُختم بها خطوة فحص شروط العبور، تمنع الحكم المتسرع من أن يتخفى في صورة حسم سريع.
المعايير الخمسة قبل المصفوفة
تمر كل حزمة عبر هذه المعايير بالتسلسل. انقر على أي معيار لرؤية التطبيق على PEMANDU.
القابلية للترجمة
هل يمكن فصل هذا العنصر عن سياقه الأصلي دون أن يفقد وظيفته؟
المبادئ التصميمية العميقة (التركيز، القياس، كسر العزلة) قابليتها للترجمة مرتفعة نظرياً، لكنها مشروطة. المختبرات قابليتها أقل مما توحي به بساطتها الظاهرة، فما يجعلها تعمل ليس الغرفة ولا الأسابيع، وإنما شبكة شروط ضمنية: كوادر تيسير عالية الكفاءة، بيانات قطاعية كافية، سلطة سياسية تضمن حضور أصحاب الصلاحية. الحامل المؤسسي PEMANDU كجهاز قابليته منخفضة جداً، وحدة بـ 130 موظفاً من القطاع الخاص برواتب تنافسية تركيب لا يمكن صياغته في خطوات منهجية مجردة.
التشوه المتوقع
ما الذي سيتشوه إذا نُقل هذا العنصر إلى البيئة السورية تحديداً؟
منظومة 277 مؤشراً ستتحول في بيئة بيانية هشة إلى إنتاج وهم كمي مسرع. المختبرات بنسختها الكاملة ستتشوه إلى ورش رمزية بلا أثر، خصوصاً مع غياب فرق التيسير المحلية. (محاكمات بوتراجايا) قد تنقلب من أداة حل مشكلات إلى منصة ترويع لبيروقراطية ناشئة تحتاج إلى تشجيع لا توبيخ. الحامل المؤسسي الضخم سيُنتج جهازاً موازياً يستنزف موارد شحيحة قبل بناء ما يُتابَع.
الحد الأدنى الكافي
ما أقل ما يجب توافره لكي يعمل هذا العنصر ولو بالحد الأدنى في البيئة السورية؟
ثلاثة شروط دنيا غير مكتملة: (1) سلطة تنفيذية فعلية (متوفرة شكلياً، غير مكتملة مؤسسياً)، (2) بيانات موثوقة (هيئة الإحصاء تُبنى من الصفر)، (3) جهاز بيروقراطي قادر على الاستجابة (الشرط الأضعف). أضف إلى ذلك شرطاً خاصاً بالنموذج الماليزي: قدرة مالية على تمويل جهاز بـ 130 موظفاً عبر SPV، وهي غير ممكنة في السياق السوري ولا مبررة استراتيجياً.
الاقتصاد السياسي
من يملك تعطيل الآلية أو امتصاصها أو توظيفها؟
في ماليزيا، عملت PEMANDU داخل بنية مصالح Bumiputera لم تتحدها، فأنتجت إنجازاً سطحياً (الكم) دون التحول العميق (الكيف). في سورية، بنية المصالح ذاتها في طور إعادة التشكل، ومن يمسك بأي وحدة إنجاز مبكراً قد يستخدمها لتثبيت موقعه. سؤال إضافي خاص بالنقل عن ماليزيا: هل سيدخل النموذج عبر بوابة شركة استشارية تجارية (PEMANDU Associates) لها مصلحة في إتمام الصفقة لا في تحذير المشتري؟
قراءة السياقين، من شبكة الفحص
ماليزيا: سياسة الأفضلية الملايوية (Bumiputera) ظلت مُصانة طوال فترة عمل PEMANDU. (التحول الاقتصادي) كان مشروطاً ضمنياً بعدم المساس بامتيازات النخبة الملايوية المتحالفة مع الحزب الحاكم. PEMANDU عملت داخل بنية مصالح لم تتحدها جدياً.
سورية: سيولة عالية في بنية المصالح. تنافس حاد بين قوى متعددة على الموارد والنفوذ. قوى أمنية، نخب اقتصادية ناشئة، فاعلون دوليون يربطون التمويل بأجندات. بنية المصالح ذاتها في طور إعادة التشكل.
دلالة الفجوة: فجوة بنيوية. الوحدة في سورية ستكون أداة محتملة للاستحواذ السياسي. من يمسك بها مبكراً قد يستخدمها لتثبيت موقعه في التوازن الناشئ، فيتحول الإنجاز من غاية عامة إلى أداة سياسية خاصة.
طبيعة المهمة المستهدفة
هل المهام تحتمل القياس والتوحيد، أم أنها تأسيسية تفاعلية؟
ماليزيا نفسها أثبتت أن المنهجية نجحت في المهام اللوجستية البسيطة (GTP) وتعثرت في التحول الهيكلي (ETP). والمهام السورية الحالية في غالبيتها من النوع الثاني، أعقد بكثير مما تعثرت فيه ماليزيا. تطبيق منهجية BFR على هذا النوع من المهام يعني مطالبتها بما فشلت فيه في موطنها الأصلي.
قراءة السياقين، من شبكة الفحص
ماليزيا: تنوع كبير. GTP: مهام خدمية مباشرة قابلة للقياس (خفض الجريمة، معرفة القراءة، البنية التحتية الريفية)، نجحت فيها PEMANDU نسبياً. ETP: مهام أعقد (تحويل هيكل الاقتصاد، جذب الاستثمارات، رفع الإنتاجية)، أخفقت ماليزيا في بلوغ هدف الدخل المرتفع، وتراجعت حصة العمالة الماهرة.
سورية: المهام في غالبيتها الساحقة من النوع الثاني: إعادة بناء المؤسسات، ترميم العقد الاجتماعي، المصالحة المجتمعية، إعادة دمج العائدين (عاد أكثر من مليون لاجئ خلال 2025 وحده20)، تثبيت العلاقة بين المركز والأطراف. مهام تفاعلية عالية السياقية لا تحتمل الاختزال في مؤشرات كمية بسيطة.
دلالة الفجوة: فجوة وظيفية. درس ماليزيا واضح: حتى في بيئتها الأصلية، نجحت المنهجية في المهام البسيطة وتعثرت في المهام المعقدة. والبيئات الانتقالية تتألف في معظمها من مهام شديدة التعقيد. تطبيق المنهجية عليها يعني مطالبتها بأن تنجح حيث فشلت في موطنها الأصلي.
خلاصة ما تقوله البوابة قبل المصفوفة
بوابة الحكم تكشف اتجاهاً واضحاً يتقاطع مع ما أنتجته بوابة بريطانيا في الورقة الثانية، ويضيف إليه: العناصر الأسهل عبوراً هي المبادئ التصميمية المجردة. العناصر الأعلى أثراً مشروطة بشروط سياقية ماليزية مخصوصة (كوادر القطاع الخاص، البنية المؤسسية المتراكمة، الحيز المالي). والعناصر الأكبر حجماً (الحامل المؤسسي الضخم، 277 KPI، المنهجية المعلبة) أنتجت في ماليزيا ذاتها مشكلات خطيرة لم تنته بنهاية التجربة. ويحمل الاقتصاد السياسي وطبيعة المهمة، من بين المعايير الخمسة، الوزن الأرجح؛ وما تمنحه البوابة تقدير شروط العبور ومخاطره، أما الحكم فيُبنى في البروتوكول وتعرض المصفوفة صورته النهائية.
والسؤال المحوري الذي ستواجهه المصفوفة: حين كشف الفحص أن نسبة كبيرة من ما عملت به PEMANDU في موطنها لم يُنتج التحول الموعود، فهل يصلح أن يُنقل النموذج إلى بيئة لا تتوفر فيها حتى الشروط التي توفرت لـ PEMANDU؟ الإجابة في المصفوفة.
بناء الحكم: من الفحص إلى المصفوفة المعبأة
إذا كانت شبكة الفحص قد وصفت الفجوة، وبوابة الحكم قد ختمت الفحص بتقدير شروط العبور، فإن هذه الخطوة تبني الحكم نفسه. يسير بروتوكول إصدار الحكم على كل وحدة من الوحدات الأربع عشرة: يحدد أهي عنصر مفرد أم حزمة، ثم يطبق قاعدة فئتها، ثم يفحص أين يقع الخلل الذي يمنع النقل، ثم يوازن الاعتبارات الأرجح وزناً. وما يقدمه حكم منهجي منظم لا آلة تُغذى بالمعطيات فتُخرج الفئة جاهزة؛ اجتهاد واضح الخطوات، مُعلَن الأسباب، قابل للمساءلة. أما المصفوفة الآتية فتعرض حصيلة هذا البناء ضمن الفئات الأربع للحكم، مع تعليل يستند إلى ما أفرزته الخطوات السابقة، وشروط عبور قابلة للرصد حيثما وُجدت.
أربعة عشر حكماً على عناصر وحزم PEMANDU/BFR
استخدم المرشحات لعرض فئة معينة. انقر على أي صف لكشف التعليل وشروط العبور. لاحظ أن خانة يُنقل تساوي صفراً، وهذا هو القلب البصري للورقة.
النمط الغالب في المصفوفة
حين تُقرأ المصفوفة كوحدة واحدة، يتبين أن من بين أربعة عشر عنصراً وحزمة لم يحصل أي عنصر على حكم يُنقل. وحصلت ثمانية عناصر على يُترجم، كلها إما مبادئ تصميمية مجردة (التركيز، القياس، كسر العزلة) أو أدوات قابلة للتكييف الجذري (لوحة المتابعة، المراجعة العليا، كسر العوائق، الأيام المفتوحة، التقرير السنوي). وحصل عنصران على يُؤجَل (المختبرات بنسختها الكاملة، والتحقق الخارجي). وحصلت أربعة عناصر على يُرفض (الحامل المؤسسي الضخم، آلية SPV، منظومة 277 KPI، المنهجية المعلبة).
وصفر يُنقل هو الحكم الأكثر دلالة: فالتجربة الماليزية، رغم نشأتها في سياق غير غربي يبدو أقرب ظاهرياً إلى البيئات العربية، خلت من عنصر واحد يصمد على النقل المباشر. كل عنصر إما مبدأ يحتاج ترجمة، أو أداة تحتاج تكييفاً، أو شكلاً يجب رفضه.
ما يقوله عمود (شروط العبور)
القراءة الرأسية لعمود شروط العبور تكشف نمطاً مهماً: كل شرط تقريباً يعود في جوهره إلى مطلب واحد هو الصدق التصميمي. أن يُبنى العنصر المترجَم على ما هو موجود فعلاً في البيئة الجديدة، لا على ما يُتمنى وجوده. فالمؤشرات تُبنى على ما يمكن قياسه فعلاً. ولوحة المتابعة تتضمن خانة (لا نملك بيانات كافية). والأيام المفتوحة لا تُقام قبل أن يكون هناك ما يُعرض. والمراجعة العليا تُصمم كأداة حل مشكلات لا كمنصة ترويع.
هذا الشرط يتطلب انقلاباً في المنطق السائد. فمنهجية BFR تقوم في جوهرها على وضع (أهداف أوليمبية) ثم العمل على تحقيقها، أي أنها تبدأ من الطموح وتتحرك نحو الواقع. أما ما تقترحه شروط العبور فهو العكس: البدء من الواقع المؤسسي والبياني والمالي المتاح فعلاً، ثم بناء أهداف يمكن الوفاء بها بصدق. وهذا الفرق بين (تقليل الوعد وزيادة الصدق التصميمي) وبين (تعظيم الوعد والسعي إلى الإنجاز) فرق بين منطقين مختلفين، وقد أثبتت التجربة الماليزية أن المنطق الثاني ينتج مؤشرات لامعة لكنه قد يخفق في التحول الحقيقي.
مواضع سوء الفهم الأكثر احتمالاً في السياق العربي الانتقالي
الموضع الأول: الظن بأن (المختبر) ورشة عمل مكثفة يمكن تنظيمها بسهولة: ما جعل المختبر الماليزي يعمل شبكة من الشروط السياقية (كوادر تيسير، بيانات، سلطة سياسية)، لا تظهر في وصف (ستة إلى تسعة أسابيع في غرفة واحدة).
الموضع الثاني: الظن بأن القرب الثقافي يعني قابلية للنقل: الفحص يكشف أن المسافة المؤسسية بين ماليزيا 2009 وسورية 2026 أوسع بكثير من المسافة الثقافية الظاهرة. ماليزيا كانت تملك خمسين عاماً من التراكم المؤسسي وبيروقراطية عاملة وبنية مالية مستقرة، وكل ذلك غائب في البيئة الانتقالية.
الموضع الثالث: الظن بأن (النتائج الكبيرة السريعة) ممكنة في البيئة الانتقالية بمجرد استنساخ المنهجية: التجربة الماليزية ذاتها أثبتت أن المنهجية نجحت في المهام اللوجستية البسيطة وتعثرت في التحول الهيكلي، والبيئات الانتقالية تتألف في أغلبها من مهام أعقد بكثير مما تعثرت فيه ماليزيا.
الموضع الرابع، وهو الأخطر: الظن بأن ما فشل في ماليزيا فشل لأسباب ماليزية خاصة (فساد نجيب، فضيحة 1MDB) وأنه سينجح في بيئة أخرى (أنظف): هذا الظن يُغفل أن مشكلات التجربة الماليزية ليست كلها مرتبطة بالفساد: غياب تقييم الأثر، تضخم المؤشرات، إضعاف المنظومة القائمة، عدم بناء قدرة مستدامة، كلها مشكلات بنيوية في تصميم النموذج ذاته، ستتكرر في أي سياق يُنقل إليه الشكل دون إعادة بناء المنطق.
ماذا تكشف المصفوفة حين تُقرأ مع مصفوفة بريطانيا؟
القراءة المقارنة بين مصفوفتي بريطانيا وماليزيا هي اللحظة التي تتحول فيها السلسلة من ورقتين متجاورتين إلى نمط بنيوي متراكم. ومن هذه القراءة المتراكمة ينبثق ثقل الحجم الذي تستنتجه المبادئ السبعة في القسم التالي.
القراءة المتراكمة
حالتان مختلفتان نوعياً، نتيجة بنيوية واحدة
المسافة بين بريطانيا الناضجة المؤسسية وماليزيا التنموية متوسطة الدخل واسعة. ومع ذلك يُصدر الإطار التحليلي حكماً متطابقاً في بنيته العميقة على كلتيهما. هذا التكرار عبر اختلاف السياق هو ما يحول النتيجة من ملاحظة عابرة إلى قراءة بنيوية.
الورقة الثانية · بريطانيا · 9 عناصر
PMDU (2001–2005)
الورقة الثالثة · ماليزيا · 14 عنصراً
PEMANDU/BFR (2009–2017)
النمط البنيوي المتراكم
تتكرر النتيجة عبر حالتين مختلفتين في كل شيء تقريباً: المبادئ تعبر، الأدوات تُترجم بشروط، والأشكال المؤسسية لا تعبر. وفي حالة ماليزيا، يتعمق النمط: حصة يُرفض ترتفع إلى 29% (من 11% في بريطانيا)، وحصة يُنقل تنخفض إلى الصفر. هذا ليس عرضياً: ماليزيا بنت جهازاً موازياً ضخماً (130+ موظفاً)، ووسعت المؤشرات إلى 277، وعلّبت منهجيتها للتصدير التجاري، وكل واحد من هذه الخيارات الثلاثة استحق حكم الرفض. 0 عنصر يُنقل في ماليزيا يختصر درس الورقة كله: القرب الثقافي الظاهري لا يعوض عن المسافة المؤسسية الفعلية.
القراءة المقارنة بين المصفوفتين تكشف ثلاث نتائج تراكمية: أولاً، تتكرر النتيجة ذاتها، أن المبادئ التصميمية تعبر بينما الأشكال المؤسسية لا تعبر، وهذا التكرار عبر حالتين مختلفتين (غربية ناضجة وغير غربية تنموية) يُحوله من ملاحظة عابرة إلى نمط بنيوي. ثانياً، التجربة الماليزية تضيف بُعداً غائباً عن البريطانية: خطر التسويق التجاري. فبينما انتهت PMDU بهدوء نسبي وتحول باربر إلى التنظير الأكاديمي، تحولت PEMANDU إلى شركة استشارية تبيع المنهجية بوصفها حزمة قابلة للتصدير. البيئات الانتقالية تواجه الآن خطرين، لا واحداً: الاستنساخ العفوي، والاستنساخ المُسوَق، والثاني أشد لأنه يأتي مغلفاً بخبرة مهنية وعقد استشاري. ثالثاً، الفجوة بين السياق الماليزي والسياق العربي الانتقالي أضيق ظاهرياً من الفجوة بين السياق البريطاني والسياق العربي، وهذا القرب الظاهري هو مصدر الخطر الأكبر، لأنه يُغري بالقفز إلى النقل قبل الفحص.
تحذير من الاستنساخ المُسوَق
عُمان من ضمن أكثر من 30 دولة من زبائن PEMANDU Associates21. الفريق الذي اكتسب خبرته من داخل الحكومة الماليزية يبيع اليوم هذه الخبرة للحكومات الأخرى بعقود استشارية. ما يصل إلى البيئة المستقبِلة ليس تجربة حية قابلة للدراسة، وإنما سردية مُنقحة ومُصممة للبيع. التجربة الحية تحمل نجاحاتها وإخفاقاتها وتوتراتها الداخلية وأثمانها الخفية. أما المنتج الاستشاري فيحتفظ بما يحقق المبيعات ويُسقط ما يسبب الإرباك. أي حكومة عربية تتعامل مع PEMANDU Associates يجب أن تعرف أنها تتعامل مع بائع لا مع شاهد، ومصلحة البائع في إتمام الصفقة لا في تحذير المشتري. وقد بلغ هذا التسويق بيئة ما بعد الانهيار التي تخاطبها هذه السلسلة: في أبريل 2025 قادت الشركة تصميم برنامج التحول الوطني الصومالي بمنهجية المختبرات ذاتها21.
الدروس والمبادئ
بناء على كل ما سبق نستطيع الآن أن نسأل: ما الذي نعرفه الآن ولم نكن نعرفه قبل هذا التحليل؟ وما الذي يضيفه فحص التجربة الماليزية إلى ما أسفرت عنه ورقة بريطانيا؟
الدروس الستة
ما تكشفه الحالة الماليزية من موقع الحكم
انقر على أي درس لرؤية تفصيله الكامل.
حين يتفوق المؤشر على المقصد
أبلغ ما تكشفه التجربة الماليزية إمكانية أن تنجح منظومة الإنجاز في تحقيق أهدافها المعلنة وأن تُخفق في الوقت ذاته في تحقيق غايتها. أعلنت PEMANDU 2015 أنها تجاوزت أهدافها بنسبة 5% عبر 277 مؤشراً. وبعد ثلاث سنوات سقطت الحكومة التي أنشأتها في أول تداول سلمي للسلطة في تاريخ ماليزيا المستقلة، وأعلن مهاتير محمد فشل رؤية 2020 رسمياً، وبدأ نجيب رزاق رحلته نحو السجن. فكيف ينجح النظام بمؤشراته ويُخفق بمقصده؟
الجواب يكمن في ما يمكن تسميته فخ المخرجات (output trap): فحين تصمم القيادة منظومة الإنجاز لإنتاج مخرجات قابلة للقياس (عدد الشرطة، كيلومترات الطرق، نسبة الالتحاق بالمدارس)، فإنها تميل تلقائياً إلى تحسين ما يظهر على اللوحة على حساب ما لا يظهر. والمخرجات القابلة للعرض تتراكم في التقارير السنوية، بينما التحولات العميقة التي تحتاج إلى عقود (رفع الإنتاجية، تغيير بنية سوق العمل، بناء اقتصاد معرفي) تتراجع إلى الخلفية لأنها لا تملأ لوحة المتابعة الأسبوعية.
وهذا الدرس بالغ الأهمية للبيئات العربية الانتقالية، حيث الإغراء الأكبر هو الإمساك بأي شيء يُظهر (إنجازاً) لأن الشرعية الناشئة تحتاج إلى دليل مرئي. لكن الدليل المرئي قد يصبح بديلاً عن الإنجاز الحقيقي عوضاً عن أن يكون دليلاً عليه.
الإنجاز وصناعة الشرعية: تواطؤ خطير
التجربة البريطانية علمتنا أن الإنجاز الحكومي ترتيب سياسي-مؤسسي مكثف أكثر منه تقنية محايدة. والتجربة الماليزية تضيف طبقة أعمق: أن منظومة الإنجاز قد تتحول إلى أداة لصناعة الشرعية السياسية بمعزل عن الإنجاز الفعلي.
أنشأ نجيب رزاق PEMANDU 2009 وأنشأ 1MDB في العام ذاته. وطوال سنوات عمل المؤسستين معاً، كانت الأولى تنتج سردية إنجاز مكثفة (تقارير لامعة، أيام مفتوحة، أرقام فصلية، مراجعات دولية)، بينما كانت الثانية تُفرغ المال العام بصمت. لا يمكن الجزم بأن PEMANDU صُممت لهذا الغرض تحديداً، غير أن النتيجة الموضوعية واحدة: سردية الإنجاز وفرت غطاءً أدائياً للراعي السياسي في اللحظة التي كان فيها أشد حاجة إلى هذا الغطاء.
والدلالة المستخلصة تتجاوز الحالة الماليزية: في أي بيئة تلتقي فيها حاجة القيادة إلى الشرعية مع ضعف آليات المساءلة المستقلة، تصبح منظومة الإنجاز مرشحة للتحول من أداة خدمة عامة إلى أداة حماية سياسية. وفي البيئات العربية الانتقالية، حيث تتقاطع الحاجة العاجلة إلى الشرعية مع ضعف أجهزة الرقابة والصحافة الاستقصائية، يصبح هذا الخطر مضاعفاً. أي تصميم لنظام إنجاز في بيئة انتقالية يجب أن يُبنى فيه منذ اليوم الأول سؤال: من يراقب المراقب؟
القرب الثقافي الظاهري أشد خطراً من البعد الواضح
ورقة بريطانيا خلصت إلى أن الفجوة بين السياق البريطاني والبيئات العربية الانتقالية فجوة نوع. ماليزيا تُضيف تعقيداً مختلفاً: المسافة بينها والسياق العربي تبدو للوهلة الأولى أقصر، دولة مسلمة، متعددة الإثنيات، تواجه تحديات تنموية، حققت نتائج لافتة بمنهجية (عملية)، وتُسوَق اليوم بنشاط في المنطقة العربية. وهذا القرب الظاهري هو تحديداً ما يجعلها أكثر خطراً.
التجربة البريطانية واضحة الغربة: حين يقرأ عنها صانع القرار العربي يدرك أنها نشأت في عالم مختلف. أما حين تُعرض التجربة الماليزية فإن آليات الحذر الطبيعية تضعف، لأن التشابه الثقافي يُنتج وهماً بالتشابه المؤسسي. والحقيقة أن ماليزيا 2009 كانت تملك ما لا تملكه أي بيئة عربية انتقالية: خمسين عاماً من التراكم المؤسسي، وبيروقراطية متعلمة ومدربة، ونظام مالي عام يعمل، وبنية بيانية قائمة، وتقاليد تخطيطية خمسية مترسخة.
الاستنتاج المنهجي: كلما بدا نموذج ما (قريباً) ثقافياً من السياق المستهدف، وجب تشديد الفحص المؤسسي، لأن التشابه الثقافي يُخفي الفجوة المؤسسية عوضاً عن أن يسدها.
ما يُصدَّر بعد انتهاء التجربة ليس هو التجربة
التجربة البريطانية علمتنا الفرق بين التجربة كما جرت وبين التجربة كما أعاد أصحابها روايتها لاحقاً. والتجربة الماليزية تضيف طبقة إضافية: ما يحدث بعد انتهاء التجربة ليس مجرد إعادة رواية أكاديمية، وإنما تحول إلى منتج استشاري تجاري.
حين حُلت PEMANDU 2017 وأسس جالا وفريقه PEMANDU Associates، حدث شيء يستحق التأمل: المنهجية التي طُورت بموارد الدولة الماليزية وعلى ظهر مؤسساتها العامة تحولت إلى ملكية فكرية خاصة (Big Fast Results و8 Steps of Transformation المسجلتان تجارياً). والفريق الذي اكتسب خبرته من داخل الحكومة أصبح يبيع هذه الخبرة بعقود استشارية. والتقارير التي وثقت التجربة (ولا سيما تقرير البنك الدولي 2017 الذي صدر بالتزامن مع إطلاق الشركة) أصبحت جزءاً من ماكينة التسويق.
هذا التحول يغير طبيعة ما يصل إلى البيئة المستقبِلة. فما يُقدَّم اليوم للحكومات العربية والأفريقية هو سردية مُنقحة ومُصممة للبيع.
الاستدامة المؤسسية لا تُبنى من خارج المؤسسة
درس الاستدامة في التجربة البريطانية كان قاسياً: انتهت PMDU بتغير القيادة السياسية، وإن كانت بعض مبادئها قد تسربت إلى ثقافة الخدمة المدنية البريطانية. أما درس الاستدامة في التجربة الماليزية فأشد قسوة: انتهت PEMANDU قبل سقوط راعيها السياسي حتى، ولم تتسرب مبادئها إلى الجهاز الحكومي بالقدر الكافي لمواصلتها.
والسبب البنيوي واضح: PEMANDU صُممت لتعمل فوق البيروقراطية لا من داخلها. واستقطبت كوادرها من القطاع الخاص لا من الخدمة المدنية. ودفعت لهم رواتب تنافسية عبر آلية منفصلة. وعملت بإيقاع وثقافة مختلفين عن الجهاز القائم. وكل هذا منحها سرعة وكفاءة مؤقتتين، ثمنهما أنها ظلت جسماً غريباً داخل الدولة. وحين رُفع الغطاء السياسي عنها لم تجد جذوراً تمسكها.
الدرس المستخلص: القدرة المؤسسية التي تُبنى خارج المؤسسة لا تبقى بعد رحيل بانيها. والدولة الناشئة تحتاج إلى بناء القدرة داخل جهازها الإداري، ببطء وبصبر وبكلفة زمنية أعلى، لأن هذا هو الطريق الوحيد الذي يُنتج قدرة تتجاوز عمر الحكومة الواحدة. الجهاز الموازي الذي يُنجز بسرعة ثم يُحل لا يُورث الدولة شيئاً سوى ذكرى إنجاز وثقافة اتكال.
الوعد بالسرعة في البيئة الانتقالية وصفة لتضخيم الفجوة
(نتائج كبيرة سريعة)، هذا هو الوعد المؤسِس لمنهجية BFR. والتجربة الماليزية تكشف أن هذا الوعد نفسه يحمل بذور مشكلته. ففي ماليزيا، حيث كانت الأرضية المؤسسية متماسكة نسبياً، أنتج الوعد بالسرعة بعض النتائج الحقيقية في المهام اللوجستية، غير أنه أنتج أيضاً فجوة متسعة بين الخطاب والواقع في المهام الهيكلية: الاقتصاد لم يتحول، والدخل المرتفع لم يتحقق، والعمالة الماهرة تراجعت حصتها.
والبيئات العربية الانتقالية تواجه خطراً مضاعفاً. القيادة التي تتبنى خطاب (النتائج الكبيرة السريعة) ترفع سقف التوقعات العامة فوراً، وفي مجتمع خارج من حرب وعقود من الإحباط المؤسسي، فإن رفع التوقعات ثم العجز عن الوفاء يُنتج ضرراً مضاعفاً: يستهلك رصيد الشرعية الناشئة بسرعة تفوق قدرة الدولة على تعويضه، ويُغذي السخرية العامة من أي خطاب إصلاحي لاحق.
ولذلك فإن ما تحتاجه البيئات الانتقالية هو عكس وعد BFR: تقليل الوعد وزيادة الصدق التصميمي، وهي النتيجة ذاتها التي خلصت إليها ورقة بريطانيا. والفرق أن ورقة بريطانيا استخلصتها من تجربة لم تعد بالسرعة صراحةً (باربر كان حذراً في وعوده)، بينما ورقة ماليزيا تستخلصها من تجربة جعلت السرعة عنواناً مؤسِّساً، فأثبتت أن الخطر يتضاعف حين يتحول الوعد بالسرعة من طموح ضمني إلى هوية معلنة.
المبادئ الأولية السبعة لإعادة التركيب
من مجموع ما أسفر عنه تفكيك التجربتين البريطانية والماليزية وفحصهما والحكم عليهما، يمكن صياغة سبعة مبادئ أولية تُضاف إلى ما أنتجته ورقة بريطانيا، وتُراكَم معها تمهيداً لإعادة التركيب اللاحقة.
سبعة مبادئ مستخلصة من المقارنة المتراكمة
المبادئ التي يبني عليها التحليل في الأوراق اللاحقة من السلسلة، بعد ضم الحالتين البريطانية والماليزية معاً.
التقشف في الأولويات أقوى من التوسع في المبادرات
أثبتت التجربتان أن القوة في القلة. باربر ركز على عشرين أولوية في أربع وزارات وحقق أثراً موثقاً. PEMANDU توسعت إلى 277 مؤشراً واعترف قائدها بأن كثرة المحاور أضعفتها. والبيئة الانتقالية تحتاج إلى تقشف أشد: ثلاث إلى خمس أولويات واضحة، مع الصدق في الاعتراف بأن ما يُؤجَل ليس أقل أهمية.
القدرة تُبنى من الداخل أو لا تُبنى
التجربتان معاً أثبتتا أن الجهاز الموازي، سواء بأربعين شخصاً (PMDU) أو بمئة وثلاثين (PEMANDU)، لا يُورث الدولة قدرة مستدامة. البيئة الانتقالية تحتاج إلى خلية صغيرة مدمجة في مكتب رئيس الحكومة، تعمل مع الوزارات لا فوقها، وتبني قدرة الجهاز القائم عوضاً عن أن تتجاوزه.
الصدق التصميمي يسبق الطموح الكمي
المنهجية التي تبدأ من (أهداف أوليمبية) ثم تحاول الوصول إليها أنتجت في ماليزيا فجوة بين الخطاب والواقع. البديل: البدء من الواقع المؤسسي والبياني المتاح فعلاً، ثم بناء أهداف يمكن الوفاء بها بصدق. لوحة المتابعة تتضمن خانة (لا نملك بيانات كافية) قبل أن تتضمن لوناً.
المساءلة ركن من الإنجاز، لا تابع له
تجربة 1MDB تحت رعاية رئيس وزراء يدير منظومة إنجاز كثيفة تُظهر أن خطاب الإنجاز قد يكون غطاءً لا مرآة. أي تصميم لنظام إنجاز في بيئة انتقالية يجب أن يتضمن من اليوم الأول جهة مساءلة مستقلة، وقدرة مؤسسية على قول إن الأرقام لا تعكس الواقع.
المراجعة العليا أداة حل لا منصة ترويع
(محاكمات بوتراجايا) نجحت كأداة ضغط على بيروقراطية عاملة، غير أن الترجمة إلى البيئة الانتقالية تتطلب اجتماعاً شهرياً قصيراً يُركز على ثلاث أو أربع أولويات، يسأل ما الذي تقدم وما الذي تعثر ولماذا، ويُصمَم كأداة حل مشكلات. البيروقراطية الناشئة تحتاج إلى تشجيع أكثر مما تحتاج إلى ترويع.
الشفافية تُبنى من الإخفاقات لا من النجاحات
الأيام المفتوحة الماليزية والتقرير السنوي حملا قيمة ظاهرية، غير أنهما تحولا إلى عرض أحادي الاتجاه يستهلك الشرعية. الشفافية الفعلية في البيئة الانتقالية تبدأ من نشر الإخفاقات بوضوح مساوٍ للنجاحات، ومن إخضاع الأرقام لتدقيق مستقل فعلاً لا شكلياً.
المنهجية المعلبة لا تنفع ولا تضر بقدر ما تُضلل
الخطوات الثماني المسجلة تجارياً (©) تبدو منظمة وقابلة للتطبيق. غير أن ما جعل التجربة الماليزية تعمل هو شروط سياقية لا تظهر في خطوات المنهجية. شراء المنهجية يعني شراء وهم الاستنساخ.
هذه المبادئ السبعة، مأخوذة معاً مع المبادئ السبعة المستخلصة من ورقة بريطانيا، تُشكل أرضية تراكمية لإعادة التركيب اللاحقة. الورقة الرابعة (تجربة Imihigo الرواندية، ما بعد الانهيار) ستختبرها على حالة ثالثة مختلفة نوعياً، وستقترب أكثر من البيئات العربية الانتقالية من حيث طبيعة المشكلة الأصلية.
الخاتمة
تخلص هذه الورقة إلى أن التجربة الماليزية، رغم نشأتها في سياق غير غربي قد يبدو أقرب إلى البيئات العربية الانتقالية، غير قابلة للاستنساخ. حيث لم يحصل أي عنصر من عناصرها الأربعة عشر على حكم يُنقل. ثمانية عناصر تحتاج إلى ترجمة جذرية، وعنصران يحتاجان إلى التأجيل حتى تنضج شروط تشغيلهما، وأربعة عناصر تستحق الرفض الواعي: الحامل المؤسسي الضخم، وآلية الرواتب التنافسية، ومنظومة 277 مؤشراً، والمنهجية المعلبة.
وحين تُقرأ هذه النتيجة مع نتيجة ورقة بريطانيا، يتشكل نمط بنيوي متراكم لا يحتمل التجاهل: عبر حالتين مختلفتين في كل شيء تقريباً (دولة ناضجة غربية في طور التسريع، ودولة تنموية متوسطة الدخل تواجه فخ الدخل المتوسط) يُصدر الإطار التحليلي الحكم البنيوي ذاته. المبادئ تعبر، الأدوات تُترجم بشروط، والأشكال المؤسسية والمنهجيات المعلبة لا تعبر.
وتضيف الحالة الماليزية ثلاثة دروس مهمة: أولها، أن منظومة الإنجاز قد تتحول إلى أداة لصناعة الشرعية بمعزل عن الإنجاز الفعلي، خاصة عندما يلتقي ضعف المساءلة المستقلة بحاجة القيادة إلى الغطاء الأدائي. وثانيها، أن القرب الثقافي الظاهري بين النموذج المُصدَر والسياق المستهدف يضاعف خطر النقل عوضاً عن أن يخففه، لأنه يضعف آليات الحذر الطبيعية. وثالثها، أن ما يُصدَّر بعد انتهاء التجربة قد لا يكون التجربة، وإنما منتجاً استشارياً تجارياً مصمماً للبيع، وبين التعلم من تجربة وشراء منهجية فرقٌ يمس جوهر السيادة في القرار المؤسسي.
في الورقة التالية من السلسلة سنختبر الإطار على تجربة Imihigo الرواندية، حيث تتغير طبيعة المشكلة الأصلية تغيراً جوهرياً: من تسريع جهاز قائم (بريطانيا) إلى تجاوز فخ الدخل المتوسط (ماليزيا) إلى إعادة بناء الدولة بعد الإبادة الجماعية (رواندا). ومن تراكم هذه الأحكام عبر الحالات الثلاث يصبح ممكناً الانتقال من محاكمة النماذج القائمة إلى ابتكار نموذج عربي للإنجاز يلائم البيئات الانتقالية بحق.